شكل وصول أول سفينة حاويات بنجاح من الصين إلى أوروبا عبر طريق القطب الشمالي منعطفاً في جيوسياسيات التجارة العالمية. هذا الحدث حول حلم موسكو وبكين القديم بتشغيل "طريق الحرير الجليدي" من مستوى التخطيط إلى الواقع؛ ممرٌ تشير التقديرات إلى أنه يمكن أن يقلل وقت النقل بين شرق آسيا وأوروبا بنسبة تصل إلى 40٪، ليتحول إلى منافس جدي لقناة السويس.
لا تقتصر أهمية هذا الطريق على توفير الوقت والاقتصاد فقط. فالممر البحري الشمالي، على عكس الممرات التقليدية، يتشكل في منطقة كانت تاريخياً خارج نطاق النفوذ المباشر للولايات المتحدة وحلف الناتو. هذه الخاصية بالذات حولته إلى أداة استراتيجية لروسيا والصين للتحايل على العقوبات وتقليل الضعف أمام الضغوط الجيوسياسية الغربية.
الاستثمار المشترك للبلدين في البنى التحتية القطبية، وطلب عشرات كاسحات الجليد، وعبور أولى السفن التجارية، كلها تدل على العزم الجدي لتثبيت هذا الممر الناشئ.في الوقت نفسه، ساهمت التغيرات المناخية والذوبان المتزايد للجليد القطبي، رغماً عنها، في تسريع هذه العملية.
فالمسار الذي كان حتى عقد مضى يقتصر في الغالب على الخرائط والتحليلات، يتحول اليوم إلى شريان محتمل لتجارة أوراسيا؛ شريان يمكنه أن يغير توازن القوة الاقتصادية واللوجستية في العالم.
هذه التطورات دقت جرس الإنذار في واشنطن. ويؤكد الخبراء الأمريكيون أن فقدان القدرة على السيطرة أو المراقبة على الطرق التجارية العالمية الرئيسية يعني إضعاف واحدة من أهم أدوات نفوذ الولايات المتحدة.في مثل هذا الجو، تتجه الأنظار نحو غرينلاند؛ الجزيرة الشاسعة قليلة السكان والمغطاة بالجليد، الواقعة عند مدخل شمال المحيط الأطلسي وبالقرب من الطرق المؤدية إلى القطب الشمالي.
غرينلاند، التي تعتبر إقليماً ذات حكم ذاتي تحت سيادة الدنمارك، تلعب دوراً جيوسياسياً يتجاوز مظهرها الهادئ والنائي. فالسيطرة أو النفوذ الفعال على هذه الجزيرة يتيح للولايات المتحدة مراقبة الحركة البحرية المتزايدة على الطرق القطبية، وحتى عرقلة تلك الحركة في ظروف الأزمات.بمعنى آخر، يمكن أن تتحول غرينلاند إلى "برج مراقبة" لواشنطن على الشريان التجاري المستقبلي للعالم.
وتنبع أهمية غرينلاند الجيواستراتيجية من موقعها الفريد الذي يطل على الممرات البحرية القطبية الناشئة، مما يمنحها دوراً محورياً في أي استراتيجية تهدف إلى مراقبة أو التأثير على تدفق التجارة عبر "طريق الحرير الجليدي". كما أن قربها من قواعد عسكرية أمريكية مثل قاعدة ثول الجوية يعزز من قيمتها كموقع استخباراتي وإنذار مبكر.
تصريحات دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الواضحة يمكن تحليلها في هذا الإطار. قال ترامب بأسلوب حاد في أحدث تصريحاته: "غرينلاند ملكنا. لقد أعطيناها للدنمارك بعد الحرب العالمية الثانية؛ كم كنا حمقى لفعلنا ذلك. والآن أصبحوا ناكرين للجميل."
وأكد أن أمريكا تحتاج إلى ملكية كاملة لهذه الأرض للدفاع عن العالم، مضيفاً أنه للدفاع عن منطقة، يجب أن تملكها؛ لا يمكنك الدفاع بعقد إيجار.
بل ذهب ترامب إلى ما هو أبعد من ذلك، معرباً عن استعداده لبدء مفاوضات فورية حول "الاستحواذ الكامل والنهائي على غرينلاند".
وبالإشارة إلى الوجود الصيني والروسي في المنطقة القطبية الشمالية، ادعى أن الدنمارك لا تملك القدرة على حماية هذه الجزيرة، واعتبر الاستيلاء على غرينلاند حيوياً للأمن القومي الأمريكي وتنفيذ مشاريع مثل "القبة الذهبية".
إن تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية باهظة على الدول الأوروبية حتى يوافقوا على هذا المطلب، يظهر أن القضية قد تجاوزت مستوى فكرة هامشية لتصبح جزءاً من استراتيجية الضغط في واشنطن.إلى جانب الاعتبارات المتعلقة بالممرات، فإن الجاذبية الاقتصادية لغرينلاند ليست بلا تأثير في هذه المعادلة. تمتلك الجزيرة احتياطيات محتملة من العناصر الأرضية النادرة؛ وهي مواد حيوية للصناعات المتقدمة والطاقات النظيفة والمعدات الإلكترونية، التي تهيمن الصين حالياً على معالجتها عالمياً.
كما تشير التقديرات إلى وجود موارد للنفط والغاز على حافة القطب الشمالي وإمكانيات كبيرة لطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية في غرينلاند. ومع ذلك، يعتقد العديد من المحللين أن الدافع الرئيسي لأمريكا ليس الموارد فحسب، بل السيطرة الجيوسياسية على المسارات.
على الجانب الآخر، هناك عوائق جدية؛ من معارضة الرأي العام في غرينلاند للتدخل الخارجي، إلى التكاليف الباهظة للبنية التحتية والمخاوف البيئية في النظام البيئي القطبي الهش. ومع ذلك، فإن تنافس القوى الكبرى يظهر أن القطب الشمالي يخرج بسرعة من الهامش ويدخل في صميم المعادلات العالمية.
في النهاية، ما يدور اليوم في غرينلاند ليس مجرد صراع على جزيرة جليدية؛ بل هو جزء من معركة أكبر للسيطرة على الممرات التجارية المستقبلية للعالم.
إن تفعيل "طريق الحرير الجليدي" من قبل روسيا والصين والرد العدواني الأمريكي، يبشر بفترة جديدة من المنافسة الجيوسياسية ستعيد تعريف خريطة التجارة والقوة العالمية في العقود القادمة.
/انتهى/