وكالة تسنيم الدولية للانباء:
إنه برد قارس. من تلك البرودة التي تجعل البخار يبيضّ في الهواء. لإيراننا ذكريات كثيرة مع هذا البرد. الدماء التي أُريقت في كاشان ومطار بغداد. الانقلاب الذي أوصل بهلوي إلى السلطة. النفط الذي تم تأميمه. المطار الذي أطاح بالديكتاتورية وأعاد الاستقلال. انتفاضة الشعب الإيراني، من عام 1957 التي أسقطت النظام الاستعماري، إلى عام 2009 التي دعت إلى البصيرة، وعام 2026 الذي أخمد حريق المسجد. للشتاء قصص كثيرة يرويها.
وفي يناير من هذا العام، كانت كلمات قائد الثورة مليئة بالإشارات إلى العدو الأبدي. أثبت الأمريكيون أنهم لا يملكون إرادةً سوى "ابتلاع" إيران، ويُظهرون قوتهم في استيعاب "الآخر" وإخضاعه؛ لكن هذا "الآخر" هذه المرة كيانٌ مُحصَّنٌ بهويته الخاصة.
1. الجشع الاقتصادي
إذا عدنا إلى منتصف القرن العشرين، سنرى أولى بوادر هذا الابتلاع الاقتصادي في انقلاب عام 1953 واستعادة السيطرة على اتحاد النفط؛ وهو حدثٌ عطّلت فيه وكالة المخابرات المركزية النظام الديمقراطي لحكومة محمد مصدق الوطنية، ليعود تدفق النفط الإيراني إلى مساره المُصمَّم لخدمة المصالح الأنجلو-أمريكية.
واليوم، ورغم تغيّر الخطاب، يبقى المنطق كما هو. فبسط النفوذ في فنزويلا والتهام نفط دولة أخرى ليس بالأمر الجديد، بل هو جزءٌ من عادات الولايات المتحدة.
بامتلاكها ما يقارب 10% من احتياطيات النفط العالمية ونحو 18% من احتياطيات الغاز، تُعتبر إيران سلعةً استراتيجيةً في نظر الولايات المتحدة. إن العقوبات المُرهِقة، التي يُصرَّح صراحةً بأنها تهدف إلى تغيير السلوك أو النظام، ليست في الواقع سوى أدوات حديثة لخلق مجاعة مصطنعة وانهيار اقتصادي يُنهك البلاد من الداخل. وهذا تكرار لمنطق الاستعمار القديم نفسه، ولكن بأساليب اقتصادية حديثة.
2. الإغراء الجيوسياسي
خلال الحرب الباردة، اعتبرت أمريكا سلالة بهلوي الثانية "حاجزًا امام الشيوعية" وقوة شرطة إقليمية؛ دور ووظيفة حُدِّدا بالكامل بما يتماشى مع مصالح الكتلة الغربية. ولكن بعد الثورة، تخلت إيران عن هذا الدور وأصبحت مركزًا مستقلًا لم يكن خاضعًا فحسب، بل عزز أيضًا تيارات المقاومة ضد كل من الشرق والغرب.
إن موقع إيران الفريد عند مفترق طرق أوراسيا وعلى حافة مياه حيوية، والذي كان في يوم من الأيام "قاعدة" لأمريكا، أصبح الآن تحديًا. إن المشاريع الانفصالية أو دعم الجماعات المعادية على أطراف الحدود، والتي تُمارس أحيانًا تحت ستار حقوق الإنسان أو الدفاع عن الأقليات، ما هي إلا محاولة، بعد عقد من انعدام الأمن، لتفتيت هذا الكيان الموحد وتحويله إلى أجزاء ضعيفة يسهل السيطرة عليها؛ وهو سيناريو له أمثلة عديدة في أنحاء أخرى من العالم.
تُعد يوغوسلافيا رمزًا واضحًا لهذا التفتيت؛ فهي دولة متعددة الأعراق، انزلقت في تسعينيات القرن الماضي، تحت تأثير وسائل الإعلام الأجنبية المثيرة للفتنة والقومية المتطرفة، إلى هاوية الحروب الأهلية الدامية، وانتهى بها المطاف إلى عدة دول صغيرة تابعة في كثير من الأحيان، ولم تستقر إلا بتدخلات حلف شمال الأطلسي (الناتو).
مثال آخر هو السودان، الذي استغل الغرب الخلافات بين الشمال والجنوب، فقسمه إلى قسمين بعد عقود من الحرب والعقوبات؛ لكن إنشاء جنوب السودان لم يجلب السلام والازدهار فحسب، بل أدى أيضًا إلى دورة جديدة من الصراعات والتبعية. حتى العراق، بعد عام 2003، وصل إلى حافة الانهيار بسبب سياسات الاحتلال الأمريكي.
دمرت هذه السياسات البنية الاجتماعية للبلاد ومهدت الطريق لظهور الجماعات الإرهابية وعدم الاستقرار المستمر في المنطقة. تضمن المشاريع الانفصالية مصالح القوى من خلال خلق أزمات دائمة وتشويه الدول، مما يجعل بلوغ القوة حلماً بعيد المنال بالنسبة لها.
3. الخوف من التأثير الثقافي
يدرك الغرب أنه إذا قُدِّم الفكر الديني للعالم في صورة الثورة الإسلامية، فسيختاره الناس وفقًا لطبيعتهم، مما يعني تفكك نسيج الحضارة الغربية. ولذلك يخشى الغرب التأثير الثقافي الإيراني. تُشكل هذه القوة الملهمة خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة التي تستمد شرعيتها من جاذبيتها الثقافية.
ألهمت حركات وشعوب سئمت من "الهيمنة" الاستقلال والتقدم الداخليين. ويتجلى خير مثال على ذلك في تشكيل حزب الله في لبنان وتعزيزه. فبإلهام من الفكر الثوري للإمام الخميني (رض)، تحولت هذه الحركة من جماعة صغيرة إلى قوة حاسمة في المعادلات الأمنية والسياسية في لبنان، واستطاعت تحطيم أسطورة مناعة الكيان الصهيوني في عامي 2000 و2006.
كما أعادت الثورة الإيرانية في فلسطين إحياء خطاب الجهاد إلى مكانته كاستراتيجية شاملة. اذ تؤكد حركات مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني بوضوح تأثيرها على الثورة الإسلامية ونموذجها المقاوم الراسخ.
كما تأثرت روح المقاومة في اليمن والعراق وسوريا، بشكل مباشر أو غير مباشر، بهذا النموذج. وكان جوهر هذا الإلهام هو مقولة: "المقاومة تنتصر". غيّر هذا الفهم الجغرافيا السياسية لغرب آسيا إلى الأبد، وخلق محورًا مستقلًا عن الغرب والشرق، متحديًا معادلات الهيمنة.
4. القوة
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اعتبر الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، العالم ساحة فريدة لديمقراطيته الليبرالية. وقد شوّه ظهور إيران الإسلامية، التي قدمت نموذجًا ناجحًا للحكم قائمًا على ذاتها بالكامل، معتمدًا على مكوناتها الثقافية والأيديولوجية والعلمية، فضلًا عن تقدمها الدفاعي، هذه الرواية.
أظهرت إيران أنه من الممكن الخروج من دائرة التبعية لهذه المؤسسة وهذا التمويل، والعيش والتقدم دون قبول النموذج العلماني الغربي. هذا الاستثناء الإيراني في النظام المفروض غير مقبول لدى واشنطن. يجب عليهم القضاء على هذه الاستثناءية حتى تستمر رواية المسار الغربي باعتباره "السبيل الوحيد الممكن".
كيف أنتجت إيران لقاحًا ضد ابتلاعها ؟
يكمن سر الهيمنة الدائمة في بناء رابطة قوية بين الشعب والحكومة والقيادة. فبعد أن كانت تُعتبر حلقة الوصل في معاهدة سنتو - وهي حلف عسكري سياسي غربي لاحتواء النفوذ السوفيتي - أصبحت إيران اليوم محورًا للنفي التام للهيمنة ورفضها. ويتجلى ذلك في مشاهد تاريخية كالمقاومة للحرب المفروضة عليها لثماني سنوات، والتعامل الذكي مع عاصفة العقوبات الجائرة، ومعركة الأيام الاثني عشر مع الكيان الصهيوني، وفتوحات الأعداء.
تستمد إيران قوتها من "غرفة العمليات الجماعية" هذه. أما التقدم في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ والأسلحة النووية، فهو ليس سوى تجليات تقنية لهذه الإرادة الجماعية. ويدعمها الديمقراطية الدينية التي حوّلت الشعب من متفرجين إلى فاعلين رئيسيين في مصيرهم.
... لقد أثبت واقع العقود الأربعة الماضية أن إيران، بفضل الثورة الإسلامية، أصبحت كياناً يعجز نظام الهيمنة العالمية عن استيعابه. فمن خلال تحويل التهديدات إلى فرص، وبناء عمق استراتيجي داخلياً وإقليمياً، باتت هذه الدولة فاعلاً يُعيد صياغة قواعد اللعبة على نطاق أوسع. إن "المقاومة" ظاهرة ستُشكّل ملامح التاريخ المعاصر.
/انتهى/