فقد التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الخميس الماضي خلال زيارة رسمية للقاهرة بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي، ووقعا مجموعة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في المجالات الاقتصادية والصناعية والعسكرية.
ووفقاً للمعلومات الرسمية، تبلغ قيمة العقود الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين في مجالات الصناعات الدفاعية والبنية التحتية والنقل والطاقة والتقنيات الصناعية مليارات الدولارات، وتشمل إنشاء شبكة إنتاج وتصدير مشتركة إلى الدول الإفريقية المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وجاءت هذه الزيارة بعد توقف دام عدة سنوات في علاقات البلدين. حيث شهدت علاقات تركيا ومصر خلال السنوات الماضية ركوداً وعدم ثقة بسبب خلافات سياسية حول ملفات مثل ليبيا، ودعم الجماعات المعارضة، والمنافسات الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
كما أثر اختلاف مواقف البلدين حول فلسطين ودور إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة على مستوى التعاون، وكانت إمكانية تشكيل شراكة استراتيجية محدودة. ومع ذلك، فإن ضرورة إدارة الأزمات الإقليمية والفرص الاقتصادية المشتركة مهّدت الطريق لعودة التفاعلات الجادة بين أنقرة والقاهرة.
الأبعاد الاقتصادية وحجم العقود
تذكر مصادر مصرية أن العقود الموقعة تشمل الصناعات الدفاعية والتقنية والنقل والطاقة والسيارات والصناعات المعدنية والطبية، وهدفها إنشاء شبكة إنتاج وتصدير مشتركة إلى إفريقيا.
تنظر تركيا إلى مصر كبوابة استراتيجية لإفريقيا، بينما تنوي مصر، باستغلال القدرات الصناعية والتقنية التركية، تعزيز حضورها الاقتصادي في الدول الإفريقية لحوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وقال مصدر مصري مطلع: "التركيز الرئيسي لهذا التعاون هو إدارة الأزمات والتهديدات الإقليمية، وخاصة التغلغل الإسرائيلي في البحر الأحمر وإفريقيا. حيث تعتقد تركيا ومصر أن تثبيت موقع إسرائيل في هذه المناطق يمثل تهديداً مباشراً للأمن الوطني والمصالح الاقتصادية للبلدين."
دور إفريقيا والقرن الإفريقي في التعاون الاقتصادي التركي المصري
لدى تركيا حضور اقتصادي ودبلوماسي في الدول الإفريقية المرتبطة بالبحر الأحمر، بما في ذلك الصومال وجيبوتي والسودان وإريتريا، وزادت نفوذها من خلال الاستثمار في البنية التحتية والصناعات الدفاعية والتقنيات الحديثة.
سيمكن التعاون الاقتصادي مع مصر تركيا ومصر من تشكيل جبهة موحدة في هذه الدول، والحد من المسارات الاقتصادية والسياسية الخاضعة للنفوذ الإسرائيلي. ومن خلال المشاريع المشتركة في الصناعات الدفاعية والبنية التحتية والنقل والطاقة، يمكن للبلدين تحقيق حضور استراتيجي في الموانئ والمسارات الحيوية للبحر الأحمر، ومنع التغلغل الاقتصادي والعسكري الإسرائيلي.
شراكة دفاعية وأمنية واسعة
تشمل الاتفاقيات تطوير صناعات دفاعية مشتركة، وإنتاج طائرات مسيرة مسلحة، وأنظمة حرب إلكترونية، ومركبات مصفحة، وأنظمة دفاع جوي، ومعدات متقدمة.
من المقرر أن تحصل مصر على طائرات مسيرة تركية متقدمة بما في ذلك "بيرقدار أقنجي"، وأن تستمر مشاريع إنتاج طائرات مسيرة جديدة محلياً، بما في ذلك الطائرات العامودية القصيرة والمتوسطة الإقلاع والهبوط و"حمزة 1"، بمشاركة الصناعات التركية المصرية.
وقال مصدر مصري : "هدف هذه الشراكة هو إنشاء شبكة تنسيق دفاعي وأمني إقليمي، حتى تتمكن الدول من إدارة الأزمات دون الاعتماد على القوى الخارجية، والحد من نفوذ إسرائيل في البحر الأحمر وإفريقيا."
الرسالة الاقتصادية والإقليمية
تشمل الاتفاقيات الاقتصادية التركية المصرية التعاون في مجالات التقنية والنقل والطاقة والسياحة والبنية التحتية والصناعات المشتركة. كما اتفق البلدان على تسهيل عبور الوفود التجارية وإنشاء شبكة إنتاج وتصدير مشتركة إلى إفريقيا. سيمكن هذا التعاون الاقتصادي تركيا ومصر من تعزيز السيطرة على المسارات التجارية والطاقة الحيوية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتقليل الحضور الإسرائيلي.
الرسالة الاستراتيجية ومستقبل التعاون
زيارة أردوغان للقاهرة بالتزامن مع برنامج زيارته للمملكة العربية السعودية، تُظهر سعي تركيا لخلق محور اقتصادي وأمني إقليمي مستقل. يمكن لهذا المحور أن يكون له حضور نشط في الملفات الحساسة للبحر الأحمر والسودان وليبيا والقرن الإفريقي، ويمكن تركيا ومصر من تحديد شروط المنطقة بأنفسهم.
وأكد مصدر مصري مطلع لوكالة فارس: "تسعى تركيا ومصر لخلق قوة إقليمية مستقلة نسبياً، حتى يتمكنا من تثبيت حضورهما الاقتصادي في إفريقيا والقرن الإفريقي، والحد من نفوذ إسرائيل واللاعبين الخارجيين الآخرين في المناطق الحيوية."
زيارة أردوغان للقاهرة وتوقيع العقود الاقتصادية والدفاعية، تُظهر تركيز تركيا على استخدام القدرة الاقتصادية والصناعية لخلق قوة استراتيجية مستقلة في إفريقيا والبحر الأحمر.
امتد هذا التعاون، بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي، إلى المجالات الأمنية والعسكرية، وصُمم بهدف مواجهة النفوذ الإسرائيلي وحماية المسارات الاقتصادية والطاقة الحيوية في المنطقة.
يعتقد الخبراء أن هذا المحور التركي المصري يمكنه خلق جبهة اقتصادية وأمنية قوية في إفريقيا والبحر الأحمر، وإعادة تعريف التوازن الإقليمي في مواجهة نفوذ اللاعبين الخارجيين.
/ انتهى/