حيث يرى العديد من الخبراء والمراقبين بأن ما يجري اليوم على الحدود العراقية الإيرانية ليس انتفاضة شعبية، بل هو ورقة أمريكية إسرائيلية بامتياز، تهدف إلى إشعال جبهة داخلية في إيران، وإرهاق النظام السياسي في طهران، وتحقيق مكاسب استراتيجية للمحور المعادي لها، دون أي اعتبار للتكاليف البشرية والسياسية الباهظة التي سيدفعها الأكراد. وبحسب خبراء، فإن التاريخ يشهد، والمواقف الإقليمية تؤكد، أن هذه المغامرة لن تجلب للأكراد سوى الويلات والمزيد من الأعداء.
تحرك الجماعات الكردية المعارضة لنظام الجمهورية الاسلامية الايرانية على الحدود العراقية
في سياق متصل، أعلن مقر خاتم الأنبياء التابع للقوات المسلحة الإيرانية أنه استهدف مقرات لمجموعات كردية معارضة لإيران في إقليم كردستان العراق في تطور ميداني لافت يأتي وسط تصاعد المواجهة بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. وجاء ذلك بعدما أفادت وسائل إعلام أمريكية يوم الخميس بأن مليشيات كردية إيرانية معارضة شنت هجوما بريا شمال غربي إيران.
ونقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول أمريكي قوله إن "المليشيات الكردية الإيرانية شنت هجوما بريا شمال غربي إيران"، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن حجم القوة المشاركة أو طبيعة الأهداف التي تم استهدافها.
وعلى الجانب الإسرائيلي، زعمت القناة 12 بأن إسرائيل دمرت -خلال الأيام الماضية- عددا من المواقع الإيرانية على الحدود مع العراق، معتبرة أن هذه الضربات قد تجعل الطريق أمام تقدم القوات الكردية المعارضة لطهران، نحو إيران "أسهل" من الناحية العملياتية حسب مزاعمها.
وفي تطور موازٍ، أفاد موقع "أكسيوس" بوجود تقارير متضاربة بشأن ما يحدث حاليا في شمال غربي إيران على الحدود مع العراق، إذ إنه "بات من غير الواضح ما إن كانت المليشيات الكردية قد بدأت بالفعل عملية برية، أم أن هذه الخطوة يجري الاعداد لها"، دون معرفة ما سيحل بالمليشيات الكردية حال انطلاقها نحو إيران، في ظل التأكيد الإيراني بسحق أي محاولة لاستهداف الأمن غرب البلاد.
ورغم التعاون التاريخي بين الولايات المتحدة والقوات الكردية في العراق وسوريا، فإن الأكراد غالبا ما يواجهون تخليا أمريكيا في اللحظات الحرجة، كما حدث بعد حرب الخليج الفارسي لعام 1991.
استغلال تاريخي لحلم الدولة.. "طعم" أمريكي-اسرائيلي
منذ عقود، والورقة الكردية تتنقل في الملفات السياسية الأمريكية والإسرائيلية، كلما احتاجت إلى ورقة ضغط على أنظمة الحكم في بغداد أو دمشق أو أنقرة أو طهران. يُستدعى حلم الدولة الكردية لتدغدغ به مشاعر الملايين، ثم يُسحب فور انتهاء المهمة، تاركاً وراءه دماراً وحسرةً، كما حدث في العراق بعد حرب الخليج لعام 1991 .
اليوم، تعيد واشنطن وتل أبيب الكرة، لكن على الأراضي الإيرانية. تقارير أمريكية تتحدث عن اتصالات أجرتها أجهزة استخباراتية مع قادة أكراد، وتلمح إلى تقديم دعم لجماعات كردية إيرانية معارضة لشن هجمات برية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل قدمت الولايات المتحدة أو إسرائيل لأكراد العراق أو سوريا أي شيء يذكر بعد أن استخدمتهم ضد تنظيم الدولة أو ضد الجيش السوري؟، أليس مصير القوات الكردية في سوريا، والتي باتت مهددة بضربات تركية في أي لحظة، خير دليل على أن الدعم الأمريكي "مشروط" و"مؤقت" ولا يراعي المصالح الكردية بقدر ما يراعي تفاهمات واشنطن مع أنقرة.
الواقع أن الجماعات والمليشيات الكردية تستعمل اليوم في معركة إضعاف إيران، لا لتمكينهم. هم بمثابة "وقود" رخيص لفتح جبهة جديدة تستنزف طهران، بينما العدو الحقيقي لهذا المشروع هم الأمريكيون والأتراك والإسرائيليون ودول إقليمية أخرى.
الفيتو التركي.. لماذا أي تحرك كردي سيُواجه بعداء تركي
أي تحرك كردي في المنطقة، أياً كان هدفه، يصطدم فوراً بالخط الأحمر التركي. أنقرة التي تتابع عن كثب التحركات الكردية في كل من سوريا والعراق، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تقوية عسكرية أو سياسية للأكراد.
الموقف التركي واضح ولا يحتمل التأويل. وزير الخارجية التركي هاكان فيدان سبق أن صرح مراراً بأن بلاده لن تسمح بتهديد أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري كردي في المناطق الحدودية، مهما كانت مبرراته، يمثل خطراً عليها. حتى في ظل التصعيد الأخير، أعلنت تركيا استعدادها لحماية حدودها من أي تداعيات، وأكدت أنها تراقب عن كثب وبدقة الأوضاع.
وبالتالي، فمحاولة إشراك الجماعات الكردية في حرب بالوكالة ضد إيران، ستضعهم في مواجهة مباشرة مع تركيا، التي تعتبر أي تقارب كردي-أمريكي يفضي إلى تعزيز النفوذ الكردي المسلح بمثابة "كابوس" استراتيجي. وبالتالي، فإن أي "مكسب" وهمي قد يعتقده البعض، سيُقابل بخسارة مضاعفة مع أنقرة، التي يمكنها إغلاق الحدود وخنق الإقليم اقتصادياً وعسكرياً كما فعلت مراراً.
إسرائيل تريد استخدام الأكراد كوقود لإشعال المنطقة
أخطر ما في هذه الدعوات هو تحويل القضية الكردية من قضية حقوقية إلى ورقة في حرب تدميرية. إسرائيل، التي تقف خلف جزء كبير من هذه التحركات، لا تخفي أهدافها في "إشعال المنطقة". رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعا مراراً الإيرانيين إلى التمرد والتحرك ضد نظامهم. إسرائيل تريد أن تحرق كل الأوراق، وليس أقلها الورقة الكردية، لإشعال فتيل حرب أهلية أو تمرد مسلح يمزق إيران من الداخل.
تقارير ميدانية من مدن كردية إيرانية، مثل مهاباد وسنندج، تشير إلى أن القصف الأمريكي الإسرائيلي للمناطق الكردية، والذي بررته واشنطن بأنه استهداف للبنى التحتية الإيرانية، خلق غضباً شعبياً عارماً ضد أمريكا وإسرائيل.
وبحسب خبراء ومراقبين، فإنه عندما تشتعل الحرب، وتندمج الجبهات، ستكون المليشيات الكردية وحدها في مواجهة الرد الإيراني القاسي، الذي قد يطال مناطقها في العراق أيضاً، كما حدث بالفعل مع قصف إيران لمواقع تابعة لمليشيات معادية في السليمانية بالصواريخ الباليستية، السؤال هنا هل ستحميهم صواريخ إسرائيل أم انها ستتخلى عنهم وتجعلهم وقودا فقط لمصالحها؟.
دروس التاريخ لا تُنسى
التاريخ يعيد نفسه، والجماعات الكردية أمام اختبار صعب. الحلم القديم بالدولة المستقلة تحول إلى كابوس متكرر، كلما اقتربوا من نار الصراع الإقليمي احترقوا. الدروس المستفادة من التجارب السابقة في العراق وسوريا وتركيا تؤكد أن من يركب موجة الحرب بالوكالة ينتهي به المطاف غارقاً في دمائه، بعد أن تستخدمه القوى الكبرى كوقود ثم ترميه.
تحت شعارات "الحرية" و"النضال ضد النظام"، يحاول البعض جر الجماعات الكردية إلى مستنقع حرب مفتوحة مع إيران، ستدفع هذه الجماعات وحدها ثمن هذه الحرب، بينما من دفعهم إليها سيجلسون خلف المكاتب لتقسيم الغنائم. فلذلك فان الجماعات الكردية من الافضل لها تحصين نفسها من هذه المخاطر، لأن المشاركة في هذه الحرب ليست مغامرة سياسية فاشلة فحسب، بل هي "انتحار سياسي" بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
د. أيمن عزالعرب .. باحث متخصص في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية
/انتهى/