وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن بعض المصادر تشير إلى أن مفاوضات ستُعقد غداً بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني. وحول خفايا هذه المفاوضات والقضايا المحيطة بها، وافى قاسم المقداد وكالة تسنيم بمقال تحليلي، ننشر نصه الكامل فيما يلي:
السياق بات واضحاً جداً.. كان واضحا سابقا ولكن الجميع حاول تفادي ذلك أو التغطية عليه بلغة دبلوماسية ناعمة. نحن نقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية تتجاوز الخلافات الحدودية التقليدية بين لبنان والكيان الصهيوني، لتنتقل إلى مربع إعادة رسم خريطة النفوذ الطائفي والجيوسياسي في المشرق العربي برمته انطلاقا من لبنان. ما يُحضّر له الآن ليس مجرد مفاوضات ترسيم أو تثبيت لوقف نار هش، بل هو تطبيق عملي لعقيدة "اليمين المسيحي الصهيوني" المدعوم أمريكياً، والتي ترى في لحظة الضعف الحالية فرصة تاريخية لتغيير البنية الديموغرافية والعسكرية للمنطقة.
أولاً: فك شيفرة اللقاء المرتقب – من لقاء تشاوري إلى مسار تفاوضي مباشر(بين لبنان وإسرائيل)
بناءً على المعطيات المتاحة، اجتماع سيعقد يوم الثلاثاء (غداً) بين السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة والسفير "الإسرائيلي" لدى الولايات المتحدة في وزارة الخارجية الأميركية. يجب التعامل مع هذا اللقاء ليس كحدث بروتوكولي منفصل، بل كجزء من حزمة تفاهمات إقليمية تُطبخ في أروقة واشنطن.
الاجتماع بين السفيرة اللبنانية والسفير الاسرائيلي في الولايات المتحدة يدرج ضمن الاجتماع الأولي التحضيري للمفاوضات المباشرة. وهذا يعني أن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي من عسكريين في الناقورة إلى سفراء في واشنطن هو بمثابة اعتراف سياسي ضمني بشرعية المسار، وقفزة نحو التطبيع السياسي القسري تحت مظلة الفصل السابع أو التهديد به.
المؤشر الأخطر هنا هو الأسماء المطروحة لإدارة هذا المسار: سيكون كلٌّ من سيمون كرم عن لبنان ورون ديرمر عن "إسرائيل" هما المفاوضين الرئيسيين من الجانبين. رون ديرمر ليس مجرد سفير سابق، بل هو مهندس استراتيجية "الضغط الأقصى" في عهد ترامب، وهو الرجل الذي يربط تل أبيب بالبيت الأبيض بشكل عضوي. أما اختيار سيمون كرم، فله دلالات تتعلق بتوجهات الطبقة السياسية اللبنانية التي ترى في اللحظة الراهنة فرصة "لتقليم أظافر المقاومة" حتى لو كان الثمن انكشاف ظهر لبنان برياً.
ثانياً: الهدف الاستراتيجي – شرعنة نزع السلاح بالقوة
سيتم التفاوض المباشر بين اسرائيل ولبنان... وسيصبح نزع سلاح الحزب بالقوة سببا لاعطاء اسرائيل والجولاني (رئيس الحكومة السورية المؤقتة) الشرعية للتدخل عسكريا... هذا تاريخ اليمين المسيحي الصهيوني في لبنان.
التحليل هنا لا يحتمل السذاجة. ورقة التفاوض لا تتعلق بالـ 13 نقطة الحدودية المتبقية فقط. المسار الجديد يستند إلى مبدأ "التنفيذ القسري للقرار 1701" بنسخته المعدلة أمريكياً، والتي تنص ضمناً على أنه في حال فشل الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني، فإن ذلك سيمنح غطاءً لـ "قوة متعددة الجنسيات" أو "عملية عسكرية محدودة" تقودها إسرائيل بدعم من فصائل داخل سوريا الجديدة.
تصريح وزير خارجية (الحكومة السورية المؤقتة) أسعد الشيباني: "نريد أن ندعم الحكومة اللبنانية باتخاذ الموقف لنزع سلاح حزب الله. مستعدون لتقديم كامل الدعم السياسي للبنان خلال هذه الفترة العصيبة" هو الدليل القاطع على ما ذكرته. هذا دليل واضح على ما ذكرته.. هناك مؤامرة كبرى يجري التحضير لها بدعم دول الخليج (الفارسي) كامل وتنفيذ اسرائيلي داعشي لبناني عميل. إنه إعادة تدوير لتحالف "إسرائيل – الكتائب – حداد" في 1982(تحالف ثلاثي بين الكيان الصهيوني، وحزب الكتائب، وسعد حداد؛ الضابط السابق في الجيش اللبناني والعميل والمتواطئ مع الإسرائيليين) ولكن تحت مسمى "الحكومة السورية الانتقالية" وبدعم استخباري دول الخليج (الفارسي) غير مسبوق.
ثالثاً: البروفات العسكرية – الهدوء الذي يسبق العاصفة البرية
كل المؤشرات التي تحدثت عنها سابقا حول تحول المعركة إلى البر تتأكد يوما بعد يوم. انا متأكد من أن الولايات المتحدة تجهز لقتال الشيعة برا عبر وكلائها.. من السعودية الى كازاخستان الى اسرائيل... سيشمل ذلك عدة محاور. اذا سقط شيعة لبنان سيسقط الشيعة تباعا في كل الإقليم.
الراصد العسكري يلاحظ أن الحشود الاميركية لم تتوقف ولو لحظة واحدة منذ وقف اطلاق النار... كذلك الاستطلاع للحدود البرية بين عدة دول في المنطقة... بالإضافة الى المسار السياسي الواضح جدا... كل ذلك يصب في خانة التحضير لجبهات برية واسعة. نحن لا نتحدث عن مناوشات حدودية، بل نتحدث عن محور متزامن يمتد من البادية السورية إلى البقاع اللبناني (شرق)، وصولاً إلى تصعيد بحري في مضيق هرمز لشل قدرة طهران على الردع الجيوسياسي. في هذا السياق يأتي إعلان رويترز: حلف شمال الأطلسي (الناتو) مستعد للعب دور في مهمة محتملة في مضيق هرمز، بحسب ما قال الأمين العام للحلف. هذا التصريح ليس تهديداً عابراً، بل هو إعلان عن ربط مسارح العمليات؛ خنق إيران بحرياً عبر الناتو يوازي خنق حزب الله برياً عبر إسرائيل وسوريا الجديدة.
رابعاً: مفارقة المفاوضات – المجازر كأداة للضغط
في تقييم الموقف الميداني خلال الأشهر الستة المقبلة، لا بد من التذكير بآلية العمل الصهيوني المدعوم أمريكياً. من المعروف ان اسرائيل ترتكب مجازر أكبر خلال المفاوضات... من قرأ مذكرات فيليب حبيب وجايمس بيكر وغيرهما من الدبلوماسيين الاميركيين يعرف ذلك تماما. الهدف من التصعيد العسكري بالتوازي مع المسار الدبلوماسي هو دفع المقاومة إلى رد فعل يُصوّر على أنه "عرقلة للحل السلمي" وبالتالي يمنح واشنطن وتل أبيب شرعية "كسر إرادة العدو". الفترة بين إعلان "الاتفاق الإطاري" وتوقيعه النهائي ستكون الأكثر دموية، وستتركز الضربات على البنية التحتية المدنية لتهجير بيئة المقاومة الحاضنة تمهيداً للمناورة البرية.
الخلاصة: الطريق الأقل سوءاً في مواجهة "المؤامرة الكبرى"
في مواجهة هذا السيناريو الذي باتت معالمه واضحة كالشمس، لم يعد هناك مكان للتردد أو الرهان على ضغوطات دبلوماسية دولية خجولة. مشروع"أمريكا وإسرائيل ودول الخليج الفارسي" بالوكالة السورية يستهدف وجود الطائفة الشيعية كقوة سياسية فاعلة من المتوسط إلى آسيا الوسطى.
الطريق الأقل سوءاً في الوقت الحالي يتمثل في:
تعرية المسار التفاوضي: عبر تسريب معلومات مواقف نواف سلام والتهديدات التي أطلقها خلال لقائه السيد علي لاريجاني (الأمين العام الشهيد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني) وعباس عراقجي (وزير الخارجية الايراني) بأنه سيستدعي الجولاني ضد حزب الله.
تعطيل مسرح العمليات البري: عبر إبقاء جبهة جنوب لبنان مشتعلة بوتيرة "دفاعية هجومية" محسوبة تمنع إسرائيل من تأمين مستوطنات الشمال وبالتالي تمنع حكومة نتنياهو من ادعاء "بيئة آمنة للتفاوض".
الردع الإقليمي: توحيد الجبهات الإسناد في العراق واليمن تحت سقف "وحدة الساحات" لاستنزاف الحشد الأمريكي في المنطقة وإيصال رسالة مفادها أن خنق هرمز ليس نزهة بحرية للناتو بل إعلان حرب على الملاحة العالمية ستتحمل عواقبه كل عواصم الخليج (الفارسي).
إن ما يجري اليوم ليس صراعاً على الحدود، بل هو حرب وجود. وشيعة لبنان هم خط الدفاع الأول في هذه الحرب، وسقوطهم لن يكون سوى البوابة لسقوط الجميع.
/انتهى/