أمل المالكي – العراق
ويقوم هذا التصور على أربعة أبعاد رئيسية مترابطة، تشكّل في مجموعها البنية الفكرية والميدانية لما يُعرف اليوم بـ محور المقاومة.
أولًا: البعد الأيديولوجي والسياسي:
منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تبنّت القيادة الإيرانية رؤية تعتبر أن تحرير القدس ليس خيارًا سياسيًا ظرفيًا، بل واجبًا دينيًا وإسلاميًا مرتبطًا بجوهر المشروع الثوري نفسه.
وقد جرى إعلان يوم القدس العالمي من قبل الإمام الخميني بوصفه مناسبة سنوية تُجسّد هذا الالتزام، وتُبقي القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي السياسي والديني.
في هذا الإطار، يتم تقديم القدس باعتبارها بوصلة الأمة التي يفترض أن توحّد المسلمين وتُعيد تشكيل أولوياتهم خارج الانقسامات المذهبية والقومية.
ومن هنا برز مصطلح محور المقاومة لوصف شبكة من القوى المتحالفة التي تشمل إيران، وحزب الله في لبنان، والفصائل الفلسطينية، وأنصار الله في اليمن، وعددًا من الفصائل المسلحة في العراق .

ثانيًا: البعد العسكري والميداني:
يتمثل هذا البعد في تحويل الرؤية السياسية إلى أدوات تنفيذية على الأرض، عبر دعم فصائل محور المقاومة بالخبرات العسكرية والتقنيات القتالية، بما في ذلك التدريب، والتسليح، ونقل التكنولوجيا في مجالي الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويُقدَّم هذا الدعم ضمن سردية استراتيجية تهدف إلى كسر احتكار التفوق العسكري الإسرائيلي، وإعادة صياغة مفهوم توازن الردع في المنطقة.
إذ لم يعد الصراع، وفق هذا التصور، محصورًا في ساحة واحدة، بل أصبح متعدد الجبهات يمتد من لبنان وسوريا إلى العراق واليمن وقطاع غزة، بما يخلق ما يُعرف بـتعدد ساحات الاشتباك، ويجعل أي مواجهة محتملة أكثر تعقيدًا واتساعًا.
ثالثًا: البعد الإعلامي والدعائي:
يشكّل الإعلام أحد أهم أدوات القوة الناعمة في إدارة خطاب القدس ضمن المشروع الإيراني ومحور المقاومة، حيث يُستخدم كوسيلة لتشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي.
وتعمل شبكات إعلامية متعددة، إضافة إلى منصات رقمية ومؤسسات ثقافية مرتبطة بالمحور، على إعادة إنتاج القضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية في مواجهة إسرائيل والغرب، مع التركيز على بناء صورة ذهنية عن محور مقاوم موحّد في مقابل محور هيمنة واستكبار.
كما يتم توظيف المناسبات الرمزية، وعلى رأسها يوم القدس العالمي، في عمليات تعبئة إعلامية تهدف إلى تعزيز الحضور العاطفي والسياسي للقضية، وإبقاء القدس في صدارة الخطاب العام بوصفها قضية جامعة تتجاوز الحدود الجغرافية.
رابعًا: البعد الثقافي والرمزي (والحضاري):
يتجاوز مفهوم القدس في الخطاب الإيراني الإطار السياسي والعسكري ليأخذ بعدًا ثقافيًا–حضاريًا عميقًا، حيث تُقدَّم فلسطين بوصفها رمزًا لصراع تاريخي بين المستضعفين والاستكبار العالمي.
وفي هذا السياق، يتم توظيف الرمزية الدينية والتاريخية للقدس في بناء هوية مقاومة عابرة للحدود، تُعيد صياغة الوعي الجمعي للأمة الإسلامية، وتربط القضية الفلسطينية بمنظومة قيمية وأخلاقية ودينية واسعة.
كما تُسهم المؤسسات الثقافية والإنتاجات الفكرية والأدبية والفنية في ترسيخ هذا البعد، بحيث تتحول القدس من قضية سياسية إلى مركز رمزي لهوية حضارية مقاومة، تُعبّر عن مشروع متكامل لإعادة تعريف الذات الإسلامية في مواجهة التحديات العالمية.
الخاتمة:
يتضح من خلال هذه الأبعاد الأربعة أن مفهوم القدس في العقيدة الإيرانية بعد عام 1979 لا يُختزل في بعد واحد، بل يُبنى على منظومة متكاملة تجمع بين الفكر والسياسة، والميدان العسكري، والإعلام، والثقافة.
وبهذا المعنى، تتحول القدس إلى محور استراتيجي جامع داخل مشروع محور المقاومة، وإلى رمز مركزي يُعاد من خلاله تشكيل خرائط الصراع والتحالفات في المنطقة.
/إنتهي/