بعد إغتيال المرشد الأعلى وقائد الثورة الإسلامية في إيران آية الله السيد علي الخامنئي، والذي كان حزب الله قد هدّد بأنه لن يقف مكتوف الأيدي في حال أقدم الكيان الغاصب على تنفيذ تهديداته بإغتيال قائد الثورة والمرجعية الشيعية، وبعد ١٥ شهراً من الإنتهاكات الإسرائيلية المباشرة اليومية وتنفيذ الإغتيالات المتواصلة في لبنان، دخل حزب الله معركة "العصف المأكول"، وشهد لبنان من جنوبه الى بقاعه وضاحيته الجنوبية وبيروت وجبله، دون أن يستثني العدو الإسرائيلي مكاناً آمناً، شهد ولا يزال، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، جرائم كبيرة وفظيعة بحق المواطنين والنازحين وتدمير كامل لقرى جنوبية كبيرة ، وتدمير مخيف في الضاحية الجنوبية لبيروت.
ورغم كل هذا فإن ما تقدمه المقاومة الإسلامية في كل هذه المرحلة أدخل الكيان المحتل في متاهة معقدة أكثر من ذي قبل، مرحلة لم يكن هو يتوقعها حتى ينهض من تداعياتها، فقد دخلت جبهة لبنان وصفها العدو بأنها الأخطر، وتفاجأ "جيش الإحتلال" بما يملكه حزب الله من قدرات رغم الظروف القاسية والضربات المتعددة التي عاشها خلال معركة "أولي البأس"، إذ لم تعد هذه الجبهة مجرّد ساحة مواجهة حدودية تقليدية، بل أصبحت اليوم بفعل عمل وإنجازات المقاومة ساحة اشتباك استراتيجي متعدد المستويات بأبعادها العسكرية والسياسية والإقليمية، وتحولت إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة وأهمها العلاقة بين لبنان وإيران والمحور المقاوم ككل.
نبدأ من الجانب السياسي والدور الواضح الذي يتولى قيادته كل من السعودية والولايات المتحدة الأميركية اللتان تعملان اليوم ظاهراً وخفياً على استثمار نتائج الحرب الإقليمية وما شهدته المنطقة من تحولات بعد سقوط النظام السوري، وتدفعان بقوة نحو إعادة صياغة الواقع اللبناني والسعي الى إضعاف نفوذ إيران، وفصل إيران بالكامل عن الساحة اللبنانية، من خلال ما يشهده لبنان اليوم من ضغط لإتخاذ قرارات سيادية داخلية تؤدي وتأخذ بلبنان إلى إدماجه ضمن منظومة إقليمية جديدة، يعمل البعض للوصول الى تفاوض على "اتفاق سلام" مع الكيان الإسرائيلي، وهو ما بدا واضحاً اليوم أكثر من قبل بعد المفاوضات المباشرة العي جرت وستجري بين الطرفين.
كل هذه المعطيات تدلّ أن الجبهة اللبنانية، المفتوحة منذ ٨ اكتوبر ٢٠٢٣، لم تعد مجرّد ملف أمني يمكن الحديث به فقط، بل أصبحت جزءاً من مشروع سياسي أوسع يستهدف إعادة رسم خريطة المحاور في منطقة الشرق الأوسط "غرب آسيا".
هذا سياسياً، أما عسكرياً، فتظهر الصورة المركّبة التي يتميز بها حزب الله رغم التناقض الواضح بين الإنجاز التكتيكي والتعثّر الاستراتيجي، فبالرغم من الضربات القاسية التي تعرّض لها الحزب سواء في بنيته التحتية في جنوب لبنان او الضاحية، أظهر الميدان وقوة المقاومة أنّ الحزب لا يزال يمتلك قدراته العسكرية المعتبرة، ونجح في الحفاظ على بنية القيادة والسيطرة، وحافظ على تمركزه ضمن مراكز ثقله الأساسية في الضاحية الجنوبية والبقاع وبعلبك، وهذا يدل على أن جوهر قوته لا يزال قائماً، وهو اليوم قادر على إعادة إنتاج نفسه لما يملكه من قوى عسكرية ووجود سياسي ودعم كبير من بيئة المقاومة والتي تشكل إحدى الركائز المهمة لوقوف المقاومة في وجه أي مشروع معادي.
واقع الجبهة اللبنانية اليوم يُقرأ على لسان الأوساط الإسرائيلية التي تُخذّر من الوقوع في ما يُسمّى "خديعة الهدوء"، لما يمثله المشهد من هدوء نسبي، وإخفاءه توازناً هشّاً قابلاً للانفجار في أي لحظة. هذا الهدوء يقابله الاعتقاد في الداخل إسرائيلي بأن وقف إطلاق النار الحالي لا يمثّل نهاية المواجهة، بل هو مجرّد تأجيل لها مع استمرار وجود البنية الاجتماعية والتمويلية للحزب التي تمنحه القدرة على الصمود تتجاوز البعد العسكري.
كل هذه المعطيات تتقاطع مع ما تقوم به واشنطن من مسار دبلوماسي نشط يسعى إلى تحويل الإنجازات العسكرية المحدودة إلى مكاسب سياسية، رغم أنّ هذا المسار يصطدم بمعادلة معقّدة، تقوم على صراع بين عقيدتين: العقيدة الأولى وهي إسرائيلية تدعو إلى الحسم العسكري الكامل، والعقيدة الثانية تعتمدها إيران وحزب الله، تقوم على الاحتواء وكسب الوقت واستنزاف الخصم، فتتحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة مفتوحة على جميع الاحتمالات، يتحدد مصيرها بمدى نجاح التفاهمات الكبرى، لا سيما في العاصمة الأميركية.
هذا دولياً، لكن في الداخل الإسرائيلي فأن الوضع مغاير تماماً، بل أكثر تشاؤماً وواقعية، إذ يسيطر الشكّ على إمكانية تحقيق حسم نهائي أو فرض تسوية شاملة في المدى المنظور، والحديث عن هزيمة حزب الله أو عن سلام وشيك مع لبنان لا يعدو كونه قراءة مبالغاً فيها أو حتى مضلّلة،لأن الداخل الإسرائيلي يدرك تماماً كما تدرك بعض الجهات الأخرى، أنه رغم الضغوط التي عاشها حزب الله لا يزال لاعباً أساسياً يمتلك قدرة على الصمود وإعادة البناء.
أما إقيليماً يبدو أن المشهد يزداد تعقيدات بسبب الارتباط العضوي بين الجبهة اللبنانية والسياق الإقليمي الأوسع، وأهمها العلاقة القوية مع إيران، فبقاء البرنامج النووي الإيراني من جهة واستمرار نفوذ طهران في المنطقة من جهة ثانية، كل هذا يعني أنّ الجبهة اللبنانية ستظل ورقة ضغط فاعلة، وأن أيّ محاولة لتسويتها بمعزل عن هذا السياق ستكون محدودة النتائج، نضيف إلى أنّ استمرار التوتر في لبنان وغزة يشكّل عائقاً أمام مشاريع التطبيع الإقليمي، وستبقى رهينة حتى تحقيق من الاستقرار الأمني.
أما على الصعيد الداخلي اللبناني، يتأرجح الوضع بين واقع هشّ يتسم بضعف الدولة وعجزها عن فرض قراراتها السيادية، وبين امكانية انزلاق الوضع نحو اضطرابات داخلية. فعلى الرغم منصدور مؤشرات سياسية تعكس رغبة في تقليص النفوذ الإيراني في لبنان، يواصل حزب الله الحفاظ على موقعه كقوة مقرِّرة، سواء من خلال قدراته العسكرية أو من خلال تأثيره داخل البيئة الشيعية، ما يحدّ من قدرة الحكومة على المضي في أي مسار تفاوضي او غير تفاوضي لا يراعي توازنات الداخل.وامام ما يبرز من تصاعد في الخطاب السياسي والانقسامات والتهديدات المرتبطة بأي محاولة لفرض تسوية سياسية كبرى، تعود إلى الواجهة هواجس الحرب الأهلية وعدم الاستقرار المزمن إذا لم يتم الوصول الى توافق داخلي جذري.
بناء على كل هذه المعطيات، يمكن القول إن الجبهة اللبنانية تعيش اليوم حالة "تعليق استراتيجي"، وتتراوح بين عدم امكانية حصول حرب شاملة أو سلام فعلي كما بعض دول الخليج الفارسي، بل أن التوصيف الأكثر دقة هو "مزيج من الهدوء الحذر والتوتر الكامن". وكل هذا يجعل من جبهة لبنان ساحة مفتوحة تتأرجح بين إعادة تشكيل النظام السياسي أو الانفجار مجدداً في وجه الجميع وهو ما لا يمكن توقّع نتائجه لأنها ستُلقي بظلالها على الجميع دون استثناء.
/إنتهي/