أمل شبيب
مشاهد مختلفة يعمد جنود جيش الإحتلال تصويرها ونشرها وعرضها في الوسائل الإعلامية ووسائل التواصل الإجتماعي، من قرى جنوب لبنان، بعد التجرّء على الدخول الى منازل المواطنين ويتصرفون بكل ما هو موجود داخل البيوت، لتكشف وجهاً قبيحاً لجنود الاحتلال: بيوت مُنهبة، محتويات مسروقة، ممتلكات مكسرة، مهانة متعمدة وصلت حد ارتداء الجنود لملابس النساء. هذه ليست حوادث فردية، بل نمط متكرر يحمل كل علامات الإذلال المقصود.
النهب المنظم – سلاح بجانب السلاح
ما يجمع الأهالي في بلدات مثل بنت جبيل، والطيبة، وعيترون، ورامية، ومارون الراس، وغيرها من القرى الحدوديك هو قصة واحدة تتكرر بأسماء مختلفة: بيت كان مؤثثاً بالكامل، يعود إليه صاحبه ليجده خاوياً من كل شيء ذي قيمة.قانون جنيف، الذي يُلزم القوات المحتلة بحماية الممتلكات المدنية، انتهك هنا بأبشع صورة، وتحول الجندي الإسرائيلي الذي يفترض أن يكون "جيشاً أخلاقياً" إلى لص محترف.
ملابس النساء – إذلال يتجاوز النهب
لكن الأكثر إيلاماً وصدمة كان المشاهد التي ينشرها جنود الجيش الغاصب الذين لم يكتفوا بالسرقة والتدمير، بل تعدّوا ذلك إلى انتهاك حرمة البيوت بطرق تنم عن تفكك أخلاقي ممنهج.
في أكثر من بلدة جنوبية، نشر الجنود الصهاينة مشاهد يرتدون فيها الملابس النسائية في البيوت التي يدخلونها ويعتدون عليها، والتقطوا صوراً لأنفسهم على هذا الوضع. لماذا يفعلون ذلك؟ قد يبدو للبعض سلوكاً طائشاً لجنود ملّوا القتال، لكن الخبراء في علم النفس العسكري يرون فيه أداة إهانة متعمدة: جعل المنزل الذي يعتبره اللبنانيون "عزاً وكرامة" مكاناً للسخرية، وإظهار العدو وكأنه لا يستحق حتى الاحترام في غيابه.كما أن المرأة في المجتمعات الشرقية رمز للشرف والحماية، واستهداف ملابسها بلبسها من قبل جنود غرباء هو انتهاك مباشر لهذا الرمز، وهو فعل لا يمكن تبريره تحت أي بند من بنود الحرب. ولم يكتف جنود الإحتلال بهذه الممارسات، بل نشروا صوراً ومشاهد من مطابخ المنازل في جنوب لبنان ويتصرفون بكل ما هو موجود في الثلاجات ويقومون بتحضير الطعام أيضاً.
التدمير العبثي – لا حاجة عسكرية ولا هدف استراتيجي
إلى جانب النهب وارتداء الملابس، فقد حوّلوا المنازل إلى خراب ممنهج: مرايا محطمة، أجهزة إلكترونية ملقاة على الأرض، كتب ممزقة، وجدران كتب عليها شعارات عنصرية بالعبرية أو رسومات بذيئة.
في قرية الخيام، نشروا صور مصحف ممزق الأوراق ملقى في المرحاض. في الطيبة، عُثر على ألعاب أطفال مقطعة الرؤوس. هذه ليست أعمال قتال، بل سلوك انتقامي همجي يستهدف النفسية اللبنانية أكثر مما يستهدف البنية التحتية.
كل أعمال التدمير هذه لا تخدم أي هدف عسكري، ولا تمنع أي مقاومة، ولا تحقق أي تقدم ميداني. هدفها الوحيد هو الإيذاء النفسي، زرع الحزن واليأس، وتذكير العائدين بأن عدوهم لا يحترم حتى المقدسات والأطفال.
صمت المنظمات الدولية – تواطؤ أم عجز؟
أمام هذه الانتهاكات التي تصل إلى حدود جريمة الحرب، يبرز السؤال الموجع: أين المجتمع الدولي؟ أين اللجنة الدولية للصليب الأحمر؟ أين بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) التي تفترض وجودها في الجنوب لمراقبة مثل هذه السلوكيات؟
الصمت المخزي للمنظمات الدولية ليس جديداً. فطالما تكرر المشهد في فلسطين، وفي أي مكان تطأ قدم جندي إسرائيلي ترابه. الانتهاكات توثق، لكن العقاب لا يأتي. وهذا الصمت هو الذي شجّع جنود الاحتلال على التمادي، لأنهم يعلمون جيداً أن لا محاسبة.
الأدهى من الصمت، أن بعض وسائل الإعلام الغربية تتعامل مع هذه القصص كـ"تجاوزات فردية" وليست سياسة منهجية. لكن كثرة الشهادات وتطابقها من قرى متفرقة تثبت أنها ثقافة متجذرة وليست حوادث عابرة.
ثقافة الإفلات من العقاب – متى يسقط القناع؟
ما يحدث في جنوب لبنان هو صورة مصغرة عما يحدث في فلسطين المحتلة يومياً؛ اقتحامات، تدمير منازل، سرقة ممتلكات، وإذلال متعمد للمدنيين. جيش الاحتلال بنى ثقافته العسكرية على فكرة أن "العدو أقل إنسانية"، وأن "الغاية تبرر الوسيلة"، وأن "لا أحد سيحاسبنا".لكن "إسرائيل" تخطئ إذا ظنت أن هذه السلوكيات ستمحى من الذاكرة. الأهالي العائدون إلى بيوتهم المدمرة لن ينسوا صورة جندي يرتدي ثوب أمهم أو أختهم، وأطفال الجنوب الذين رأوا ألعابهم المحطمة سيكبرون والغضب في قلوبهم.
هذه السلوكيات لا تطيل عمر الاحتلال، بل تقصره. لأنها لا تدمر البيوت فقط، بل تصنع أجيالاً من الثوار الذين لن يرضوا بالعيش تحت تهديد عدو لا يحترم إنسانيتهم.
رسالة من جنوب لبنان إلى العالم
عندما يعود أهل الجنوب إلى قراهم، لن يجدوا فقط جدراناً مهدمة، بل جرحاً أخلاقياً عميقاً لن يندمل بسرعة. ما فعله جنود الاحتلال في البيوت اللبنانية ليس مجرد سرقة أو كسر، بل هو محاولة لقتل الكرامة الإنسانية.
وهنا نسأل المجتمع الدولي، وكل منظمة تدّعي حماية حقوق الإنسان: أين أنتم من صور الجنود وهم يرتدون ملابس نسائنا؟ أين أنتم من المصاحف الممزقة داخل دورات المياه؟ أين أنتم من نهب ثلاجاتنا وأثاثنا؟
الجواب يعرفه اللبنانيون والفلسطينيون والعرب جيداً: أنتم تصمتون لأن الجاني "صديق". لكن التاريخ لا يصمت، والذاكرة لا تمحى، ويوم الحساب قادم، إن لم يكن في محكمة دولية، ففي ضمير الشعوب الحرة التي لا تزال تميز بين الخير والشر، وبين الجندي المحارب واللص الجبان الذي يرتدي ثوب امرأة ليخفي وجهه المخزي.
/إنتهي/