فقد خلطوا بين الغضب الشعبي والتمرد على النظام، وتجاهلوا عمق الشرعية التاريخية للثورة الإيرانية وثقافة اقتصاد المقاومة التي جعلت إيران تصمد تحت العقوبات منذ 1979. النتيجة: إيران خرجت أقوى مما كانت، والصامد هو المنتصر، بينما خسر ترامب ونتنياهو الرهان.
.
راهن ترامب، وراهن نتنياهو، وكل أجهزة الاستخبارات الغربية راهنت على أن إيران ستسقط في غضون أسابيع. لكن إيران لم تسقط، الحكومة لم تنهار، الشعب لم يخرج ضد قيادته. بل على العكس: إيران خرجت من هذه المرحلة أقوى مما دخلت إليها.
لماذا راهن ترامب ونتنياهو على السقوط؟ ولماذا خسرا الرهان؟
لنبدأ بما راهن عليه ترامب ونتنياهو بالضبط. رهانهما لم يكن عسكرياً بالكامل، بل كان رهاناً على الشعب الإيراني نفسه. النظرية كانت واضحة: العقوبات الاقتصادية الخانقة، الضغط العسكري، والحرب النفسية، كلها ستؤدي إلى ثورة شعبية تسقط النظام. لكن النظام لم يسقط.
أين الخطأ في الحسابات؟ لأنهم قرأوا إيران بشكل خاطئ تماماً.
دعونا نكشف أخطاء القراءة الغربية، هناك أربعة أخطاء استراتيجية قاتلة.
الخطأ الأول: خلط "الغضب" بـ"التمرد على النظام". الشعب الإيراني غضب، نعم صحيح، لكن غضبه ليس بالضرورة موجهاً ضد النظام ككل، والفرق كبير جداً.
الخطأ الثاني: تجاهل عمق الشرعية التاريخية للنظام. الثورة الإيرانية ليست انقلاباً عسكرياً، بل هي حركة شعبية جذرية عمرها أكثر من 45 عاماً، والملايين يرون فيها هويتهم ومقاومتهم ضد الاستعمار والاستكبار.
الخطأ الثالث: الاعتقاد أن العقوبات كفيلة بإنهاء النظام. هذه هي الحماقة الكبرى، لأن إيران تعلمت كيف تصمد تحت العقوبات منذ عام 1979. واقتصاد المقاومة ليس شعاراً، بل هو ثقافة متأصلة.
الخطأ الرابع: الاعتقاد أن الوحدة الوطنية الإيرانية قابلة للكسر بالضغط الخارجي. بل على العكس: الضغط الخارجي زاد من الالتحام حول الثوابت الوطنية.
باختصار، ترامب ونتنياهو راهنا على فكرة أن الضغط الخارجي والاستياء الداخلي قد يسقطان النظام. قد تكون هذه المعادلة نجحت في بعض دول العالم، لكنها فشلت في إيران، لأن لديها مناعة سياسية واجتماعية مختلفة تماماً. إيران ليست كأي بلد آخر.
ماذا حدث داخل إيران أثناء الرهان؟ الحقيقة الأولى: الشعب كان غاضباً، لكنه لم يكن ضد النظام. الحقيقة الثانية: عندما زاد الضغط الخارجي، قل الغضب الداخلي. هذا هو السر الذي لم يفهمه ترامب: الضغط الخارجي لم يسقط إيران، بل أعاد تعريف العلاقة بين الشعب والحكومة.
ما الذي جعل الحكومة الإيرانية تصمد، بينما حكومات أخرى سقطت بضغط أقل؟ الجواب يبدأ من التراكم المؤسساتي، فالجمهورية الإسلامية ليست نظام "فرد واحد"، بل هي شبكة معقدة من المؤسسات. ثم يأتي العمق الجيوسياسي، فإيران لا تعيش في عزلة بل لها حلفاء: روسيا، الصين، والمقاومة في لبنان واليمن والعراق. والأهم هو اقتصاد المقاومة الفعلي، بعدما حولت إيران العقوبات إلى فرصة للاكتفاء الذاتي في مجالات: الصناعات العسكرية، الطبية، الصناعات الثقيلة، العلم، وكل جوانب الحياة. ونخلص إلى الأهم من الأأهم وهو الصبر الاستراتيجي. تعلمت إيران أن ترامب مؤقت، وأن نتنياهو قد يذهب في أي انتخابات. ومن لديه استراتيجية تمتد لعقود، لا يهزه ضغط يمتد لسنوات.
باختصار: ترامب راهن على "سقوط سريع" لإيران، لكن إيران لعبت لعبة "الصمود الطويل"، وفي هذه اللعبة، الصامد هو المنتصر.
من ربح الرهان؟ ترامب خسر الرهان، إيران لم تسقط. نتنياهو خسر الرهان، الإسرائيليون ما زالوا يراقبون إيران بخوف. المؤسسات الغربية خسرت الرهان، استخباراتها فشلت في قراءة المشهد. أما الرابح؟ إيران ربحت لأنها صمدت وخرجت أقوى. الشعب الإيراني ربح أيضاً لأنه أثبت أنه ليس أداة في يد أحد.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تسقط إيران؟ السؤال الحقيقي هو: متى سيتعلم الغرب أن قراءة إيران تحتاج إلى عيون مختلفة؟ إيران لم تسقط ولن تسقط، ليس لأنها قوية فقط، بل لأن شعبها يعرف متى يصمد.
/إنتهى/