.
يتناول هذا المونولوغ اغتيال القائد عز الدين الحداد، ويقف عند الأبعاد الحقيقية لهذا الحدث بعيداً عن السردية الإسرائيلية التي حاولت تصويره على أنه إنجاز استثنائي. فالكيان الإسرائيلي لم يحقق نصراً حقيقياً في غزة، بل يبحث بأي ثمن عن أي صورة نصر يخفي بها حجم المأزق الذي غرق فيه داخل القطاع، الذي تحول من ساحة حرب سريعة إلى فخ استنزاف طويل ومعقد.
كما نتعرف على عز الدين الحداد، الرجل الذي لُقّب بـ"الشبح" و"الثعلب"، والذي لم يكن مجرد قائد ميداني عادي داخل كتائب القسام، بل كان واحداً من أهم العقول العسكرية التي أدارت إعادة بناء القوة القتالية للمقاومة بعد كل ضربة وحرب واجتياح. تدرّج الحداد في القيادة من كتائب "التفاح والدرج" و"الزيتون" و"الشجاعية" وصولاً إلى قيادة لواء غزة، ثم أصبح القائد العام الفعلي للقسام بعد اغتيال محمد الضيف ومحمد السنوار.
كما نتوقف عند نقطة مهمة وهي طريقة عمل الحداد، فهو لم يكن قائداً يجلس في الخلف بل كان حاضراً داخل الأنفاق، بين المقاتلين، يشرف بنفسه على إدارة المعارك، وتطوير القذائف مثل "الياسين 105"، وإعادة ترميم الوحدات القتالية بعد كل ضربة إسرائيلية. وهنا يظهر أول فشل إسرائيلي كبير، حيث كانت "إسرائيل" تعتقد أن الحرب الطويلة والاغتيالات المتكررة ستؤدي إلى انهيار بنية القسام، لكن ما حدث كان العكس تماماً، فكلما اغتالت قائداً ظهر بديل، وكلما دمرت وحدة أعادت المقاومة ترميم نفسها بسرعة مفاجئة.
ونستعرض في هذا الفيديو ثلاثة أخطاء رئيسية ارتكبتها "إسرائيل" في تعاملها مع المقاومة. الخطأ الأول هو الاعتقاد أن المقاومة تُدار بعقلية "الرجل الواحد"، بينما الحقيقة أن كتائب القسام بنت نفسها منذ سنوات على مبدأ اللامركزية، وعلى إعداد طبقات كاملة من القيادات الميدانية القادرة على استلام المسؤولية فوراً دون أي فراغ قيادي.
الخطأ الثاني هو الاعتقاد أن الحرب النفسية، إلى جانب الدمار والمجازر والحصار، ستدفع البيئة الفلسطينية إلى الانقلاب على المقاومة، لكن النتيجة كانت عكسية تماماً، حيث صنعت هذه الحرب جيلًا فلسطينياً أكثر غضباً، وأكثر التصاقاً بفكرة المقاومة، وليس أقل.
الخطأ الثالث هو الاعتقاد أن اغتيال القادة الكبار يعني اقتراب نهاية الحرب، بينما الواقع يؤكد أن "إسرائيل" بعد كل هذه الأشهر ما زالت عاجزة عن تحقيق أهدافها الأساسية: لا القضاء على حماس، ولا استعادة الأسرى بالقوة، ولا إعادة صورة الردع التي تحطمت منذ السابع من أكتوبر.
ونشير في هذا الفيديو إلى أن المأزق الحقيقي داخل الكيان الإسرائيلي بدأ يتكشف أكثر فأكثر، لأن حكومة نتنياهو أصبحت في حاجة ماسة إلى أي إنجاز تقدمه للجمهور الإسرائيلي المتعب والمنقسم، وأي شيء يعلقه على جدار الحرب كدليل على أن الجيش ما زال قويًا وقادرًا. ولهذا السبب، حول الكيان اغتيال الحداد إلى حدث إعلامي ضخم، حاول من خلاله ترميم صورة جيش فشل في حسم الحرب رغم كل القوة النارية والجوية والاستخباراتية التي استخدمها.
لكن الأخطر من ذلك، هو أن اغتيال الحداد كشف حقيقة مغايرة تماماً، فقد كشف أن "إسرائيل" رغم تفوقها التكنولوجي والسيطرة الجوية والاستخباراتية المفرطة، احتاجت إلى سنوات وإلى مجازر جماعية كي تصل إلى رجل واحد كان يتحرك طوال الحرب داخل غزة نفسها، ويتنقل بين الأنفاق والشوارع بدراجة هوائية أحياناً. هذا الأمر وحده كاف لطرح سؤال محرج ومخيف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: إذا كان هذا هو حال قائد معروف ومطلوب منذ سنوات، فكم قائدًا آخر مجهولاً ما زال يتحرك بحرية تحت الأرض وفوقها؟
أما على مستوى المقاومة، فالرسالة مختلفة تماماً، فهي لا تنكر أن اغتيال الحداد كان ضربة مؤلمة وقاسية، فهو لم يكن قائداً عادياً، بل عقلاً عسكرياً راكم خبرة هائلة، ودفع ثمناً شخصياً لا يوصف بعدما فقد أبناءه وحفيدته وزوجته وابنته خلال الحرب. لكن المقاومة التي نجت سابقاً من اغتيال كبار قادتها مثل الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وأحمد الجعبري ومحمد الضيف ومحمد السنوار، لا يمكن أن تسقط بشهادة قائد واحد مهما بلغت أهميته، لأنها بنيت على أسس عقائدية وتنظيمية تجعلها قادرة على تجاوز الخسائر الكبيرة بسرعة.
في النهاية، يخلص المونولوغ إلى الحقيقة الأعمق التي لم تستوعبها "إسرائيل" بعد، وهي أنها قد تنجح في قتل الأشخاص واحدة تلو الأخرى، لكنها تظل عاجزة تماماً عن قتل الفكرة التي تنتج أولئك الأشخاص. غزة اليوم، كما يصفها المونولوغ، لم تعد مجرد ساحة حرب تقليدية، بل تحولت إلى بيئة حية أعادت إنتاج معنى المقاومة داخل الوعي الجمعي الفلسطيني، وجعلت منه ثقافة عامة وهوية لا يمكن فصلها عن وجود الفلسطيني نفسه. ولهذا، حتى لو نجحت "إسرائيل" في اغتيال الحداد، وحتى لو اغتالت غيره في المستقبل، فإنها ما زالت حتى الآن عاجزة عن إنتاج نهاية حقيقية لهذه الحرب.
عز الدين الحداد استشهد، لكن المعضلة الكبرى التي كان يمثلها بالنسبة للكيان الإسرائيلي ما زالت حية ونابضة. لأن الحرب التي بدأها الاحتلال تحت عنوان "القضاء على المقاومة"، لم تصل بعد إلى أي نتيجة حاسمة، بل انتهت حتى الآن إلى حقيقة واحدة فقط لا تقبل الجدل: "إسرائيل" تستطيع تدمير غزة بالكامل، لكنها لا تستطيع إنهاء أو قتل ما وُلد وتجذر داخلها من روح مقاومة لا تموت.
/إنتهى/