إن ما يشهده العالم هذه الأيام من تبادل للرسائل والوساطات بين إيران وأمريكا، وتحول أجواء الحرب إلى أروقة التفاوض (بغض النظر عن نتائجه)، وذلك بعد عدوان عسكري واسع النطاق كان يهدف إلى قلب النظام في إيران، يحمل في طياته دلالة استراتيجية كبرى على الصعيد الدولي. لا شك أن تداعيات هذه الفترة ستُدرس في كتب التاريخ المستقبلية كنقطة تحول مفصلية نحو متغيرات جديدة.
لقد ظهر للصين وروسيا وأوروبا، في المقام الأول، المقياس الحقيقي لقوة أمريكا في هذه الحرب، وهذا وحده يمثل أكبر شاغل لواشنطن. وفي غضون ذلك، يعيش حلفاء أمريكا في غرب آسيا أياماً قلقة، تمور بها عقولهم ونفوسهم.
إن فشل العدوان العسكري وتحول أمريكا إلى طاولة الحوار، أظهر بوضوح لحلفائها أن للقوة الأمريكية حدوداً، وأن إسرائيل وحدها لا تستطيع أن تفعل ما تشاء بالقوة العسكرية. أولئك الذين ظنوا لسنوات أن بوسع أمريكا متى شاءت أن تضع حداً للدول وتعيد رسم خريطة المنطقة، ها هم اليوم يواجهون واقعاً محيّراً ومحبطاً.
لم تكن الدهشة مما آل إليه انتهاء الحرب فحسب، بل بكيفية انتهائها. فأسابيع كاملة ظل الإعلام والمحللون الغربيون والعرب يتحدثون عن انهيار وشيك لإيران و"استسلامها"، لكننا على أرض الواقع رأينا شيئاً آخر تماماً. فبدلاً من مواصلة الحرب، سعت أمريكا إلى حل سياسي، وجلست إيران على طاولة التفاوض من موقع القوة والصمود، بينما بدا الكيان الصهيوني أكثر من أي وقت مضى قلقاً ومضطرباً. حرب انطلقت بها إسرائيل ساعية إلى تغيير جذري لمعادلات المنطقة، انتهت بها إلى الإضرار بنفسها وتعميق تعقيد وضعها.
جرى تضليل إعلامي واسع النطاق بأن التواجد الهائل للبوارج الأمريكية، والقواعد، وأنظمة الدفاع المتطورة، لا بد أنها وجهت ضربة قاضية لإيران وأجبرت المسؤولين الايرانيين على التراجع. إلا أن تلك القوة العسكرية اصطدمت بمقاومة سياسية واستراتيجية إيرانية، مما أثبت أن المعتدين لم يعرفوا خصمهم حق المعرفة.
وهذا ما يفسر تماماً شعور حلفاء أمريكا في المنطقة بالإحباط. فقد بنوا توقعاتهم على أماني وأوهام أيديولوجية، لا على حقائق الميدان. كانوا يرون في أمريكا قوةً لا تُقهر، وفي إسرائيل قوةً مطلقة تنهي كل شيء متى شاءت.
لكن الحرب الأخيرة أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق النصر. فحروب اليوم لا تُحسم بعدد الصواريخ والطائرات فقط. العبرة في قدرة الشعب والدولة على تحمل الضغوط، وإدارة حرب الاستنزاف، والحفاظ على الصبر الاستراتيجي، وتوحيد القرار.
لقد نجحت إيران في منع العدو من تحقيق أهدافه الرئيسية، وهذا يُعد انتصاراً استراتيجياً كبيراً. فقد دخلت أمريكا الميدان ساعية إلى إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، وتفكيك شبكة المقاومة من لبنان إلى اليمن والعراق وغزة، ولكنها في النهاية لجأت إلى بحث اتفاق بجدول زمني، وأرجأت القضايا الحساسة إلى المستقبل، وتراجعت عن خوض حرب شاملة يلوح في أفقها خطر الاستنزاف.
كما واجه الكيان الصهيوني، ولأول مرة منذ سنوات، سؤالاً جاداً. الحرب التي استمرت على عدة جبهات، أثبتت أن "تل أبيب" أصبحت أكثر من أي وقت مضى مرتهنة للدعم الأمريكي الشامل، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي.
وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، كان نتنياهو في الأسابيع الأخيرة يسعى أكثر من أي شيء لتحقيق مكاسب انتخابية من وراء العدوان العسكري، وكان حريصاً كل الحرص على إقناع أمريكا بشن هجوم جديد على إيران، في الوقت الذي كانت واشنطن تعيد حساباتها.
وفي غضون ذلك، يشعر حلفاء أمريكا الإقليميون والعرب هذه الأيام بأن حساباتهم قد انقلبت رأساً على عقب. فبعضهم انتقل من الترويج للحرب إلى انتقاد السياسة الأمريكية، بل إنهم يتحدثون الآن عن "تنويع التحالفات". فيما لا يزال آخرون يعيشون حالة الإنكار، متعلقين بأي إشارة ولو كانت صغيرة تعيدهم إلى أجواء الحرب.
إن الحرب الأخيرة لا تعني نهاية النفوذ الأمريكي، ولكنها بلا شك تعني نهاية الثقة العمياء للحلفاء العرب في هذه الدولة.
ما زالت أمريكا قوية، لكن قدرتها على فرض إرادتها بالقوة العسكرية قد تضاءلت. أما إسرائيل التي سعت دوماً لتقديم نفسها كالقوة العظمى، فهي اليوم أكثر من أي وقت مضى متشبثة بالدعم الأمريكي، وتنظر إلى المستقبل بقلق.
/انتهى/