أمل شبيب
إعتراف بإنتصار ايران "طهران هي المنتصرة الكبرى بلا منازع" جاء بشكل صاعق على الكيان نفسه من صحيفتي "يديعوت أحرونوت" و"معاريف"، ومسؤولين إسرائيليين يصفون الاتفاق بأنه "سيء" و"كارثة" و"يضر بالمصالح الإسرائيلية".
خدعنا ترامب.. وصوتنا غير مسموع : اعتراف إسرائيلي بالخذلان الأميركي!!
في تسريبات سياسية تكشف حجم الانهيار الإسرائيلي، وصفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، التفاهم الأميركي-الإيراني المرتقب بأنه "اتفاق غير جيد"، معتبراً أنه "يضر بالمصالح الإسرائيلية"، ومقراً بأن "إسرائيل غير قادرة على التأثير، وصوتها غير مسموع". هذه الكلمات ليست مجرد انتقاد عابر، بل هي إعلان صريح بأن الكيان الذي ظنّ أنه الحليف الأول لواشنطن، أصبح اليوم خارج دائرة الضوء، مهمشاً في قاعة القرار، بينما تجلس إيران على طاولة المفاوضات وتفرض شروطها.
وذهب المسؤول الإسرائيلي إلى أبعد من ذلك حين اتهم ترامب بالخيانة الصريحة لحليفه قائلاً: "لقد خدعنا ترامب، وتحمّلنا العواقب. لم نعد جزءاً من الأحداث ولا يمكننا التأثير فعلياً". هذه العبارات تسجل لحظة تاريخية فارقة: لأول مرة، يعترف مسؤول إسرائيلي رفيع بأن أميركا باعت "إسرائيل" في صفقة لم يكتب لها أن تحضرها، وأن ترامب الذي راهن عليه نتنياهو لكسر إيران، ها هو يوقع معها اتفاقاً يمنحها "كل ما تريد".
وتابع المسؤول الإسرائيلي المصاب بصدمة الخذلان: "نحن مصدومون، لقد أغدقوا على الإيرانيين الأموال، وحصلوا على كل ما يريدونه، سيبنون قوة صاروخية، وسنضطر إلى استثمار مبالغ طائلة في صواريخ اعتراضية. ترامب يجري حواراً مع جهات أخرى، لكن ليس مع "إسرائيل". يريد طيّ هذه الصفحة والمضي قدماً". هذا الاعتراف يفضح حقيقة أن "إسرائيل" لم تكن في يوم من الأيام شريكاً، بل كانت أداة تستخدم ثم تُرمى عندما تنتهي الحاجة إليها.
"معاريف" تعترف: إيران المنتصرة الكبرى بلا منازع و"إسرائيل" أخفقت فشلاً ذريعاً
لم تكن صحيفة "يديعوت أحرونوت" وحدها من صرخت في وجه ما سمّته "الكارثة"، بل انضمت إليها صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في اعتراف قاسٍ وصفت فيه بأن طهران هي "المنتصرة الكبرى بلا منازع". واعترفت الصحيفة بأن "إسرائيل أخفقت، نتيجة فشل المستوى السياسي، في التأثير على بنود الاتفاق"، وأن "المشروع النووي الإيراني لم يُلغَ، واليورانيوم المخصّب سيبقى بحوزة إيران، وستواصل منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية التطوّر والتوسّع".
لم تتوقف "معاريف" عند هذا الحد، بل ذهبت إلى الاعتراف بأن نتائج الحرب التي خاضتها "إسرائيل" ضد إيران "لم تحقق الأهداف المعلنة"، وأن طهران "عزّزت مكانتها الإقليمية ورسّخت نفوذها في الشرق الأوسط"، في حين انتهت الحرب "بصورة تعكس تراجعاً سياسياً لإسرائيل". هذه الاعترافات تسجل لحظة نادرة في التاريخ الإسرائيلي: صحيفة عبرية تقول بوضوح إن إيران هي المنتصرة، وإن "إسرائيل" خسرت.
وجاء الانتقاد الأقسى عندما وجهت الصحيفة أصابع الاتهام إلى القيادة الإسرائيلية، معتبرة أن "المسؤولين الإيرانيين أظهروا تفوّقاً في إدارة المواجهة السياسية والاستراتيجية"، وأن "الإيرانيين أذكى من نخبة القيادة الإسرائيلية. أذكى من "بنيامين نتنياهو"، من "يسرائيل كاتس"، ومن سائر أعضاء الحكومة والائتلاف". وقالت إن نتائج الحرب تعدّ "إخفاقاً كبيراً وعلى المستويات كافة"، وإنه كان ينبغي على القيادة الإسرائيلية وعلى رأسها نتنياهو الإقرار بالفشل وتحمّل المسؤولية أمام الرأي العام، والقول برأس منحنٍ: "لقد فشلت.. حتى صديقي المفضّل لا يقيم لي وزناً".
ترامب يتراجع وإيران تفرض شروطها.. كيف انكسرت "دبلوماسية الصواريخ؟
في محاولة يائسة لإنهاء الحرب التي لم يحقق فيها نصراً، حاول ترامب اتباع استراتيجية جديدة أطلق عليها البعض "دبلوماسية الصواريخ": القصف بالتزامن مع التفاوض على السلام، وكأن القوة الغاشمة يمكن أن تنتج سلاماً عادلاً. لكن سرعان ما تخلى ترامب عن هذه الاستراتيجية، ليس لأنه أحب السلام، بل لأنه اكتشف أنها تأتي بنتائج عكسية.
فكلما زادت واشنطن من قصفها، زادت إيران من تمسكها بشروطها. وكلما صعد ترامب في خطابه، ازدادت طهران رسوخاً في موقفها. لقد أدرك الرئيس الأميركي أن الصواريخ الإسرائيلية والأميركية لن تكسر إيران، بل ستجعلها أكثر صلابة. وأدرك أن "دبلوماسية الصواريخ" لا ترهب طهران، بل تزيدها إيماناً بأن أميركا هي التي تريد الحرب وهي التي تريد الخروج منها.
الاحتلال يواصل القتل والمقاومة تتمسك بالأرض
بينما تنشغل العواصم الغربية بتفاصيل الاتفاق وترتيبات التوقيع، يواصل الاحتلال الإسرائيلي جرائمه في جنوب لبنان. وبالجرائم التي يرتكبها كل لحظة وساعة، أعلن الاحتلال كل منطقة جنوب نهر الزهراني "منطقة عمليات قتالية"، ويواصل قصفها بدم بارد، وحزب الله يرد ويصدّ قوات العدو التي تحاول التقّدم في مختلف الجهات. أكثر من 3,800 شهيد في لبنان منذ بدء العدوان. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي دماء تثبت أن الاحتلال لا يريد سوى القتل والتدمير والتهجير، لتبثت المقاومة مرة ومرة أنها وحدها من تمسك بالأرض، وتحارب بكل ما أوتيت من قوة.
كابوس استراتيجي في تل أبيب: "إسرائيل" تخشى صواريخ إيران وعزلة نتنياهو وتتساءل: من يحمينا بعد ترامب؟
تشير المعطيات إلى اقتراب التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران بعد تجاوز العقبات الرئيسية، مع استمرار مراجعة البنود النهائية قبل التوقيع. وفي المقابل، تتصاعد المخاوف في "تل أبيب" من تداعيات هذا المسار، خاصة بعد الحديث عن وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية.
ربطت إيران فعلياً بين تقدم المفاوضات مع واشنطن ووقف العدوان على لبنان، مما وضع الكيان الإسرائيلي في موقف حرج، حيث يجد نفسه مضطراً إما لقبول شروط قد تُضعف موقفه العسكري، أو مواجهة ضغوط أميركية متزايدة تدفعه نحو التسوية. هذه المعادلة الجديدة تجعل "إسرائيل" تشعر بأنها أصبحت خارجة اللعبة، وأن مستقبل أمنها بات مرهوناً بتفاهمات لا تشارك فيها.
الخوف الإسرائيلي لا يقتصر فقط على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الأبعاد الاستراتيجية بعيدة المدى. فالاتفاق المرتقب يمنح إيران قدرة أكبر على دعم حلفائها في المنطقة، من حزب الله في لبنان إلى لاقوات المسلحة اليمنية، مما يهدد التفوق العسكري الإسرائيلي الذي كان يشكل عقيدة أساسية للكيان منذ تأسيسه. المسؤولون الإسرائيليون يدركون أن استئناف صادرات النفط الإيرانية سيُدر على طهران مليارات الدولارات، ستذهب جزءاً كبيراً منها إلى تطوير القدرات الصاروخية وتعزيز حلفاءها في المنطقة، وهو ما يصفه الإسرائيليون بـ"الكابوس الاستراتيجي".
القلق في تل أبيب يتجاوز الميدان إلى المستوى السياسي الداخلي، حيث يجد رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو" نفسه في عزلة غير مسبوقة. فقد راهن نتنياهو على أن ترامب سيكون الحليف الأقوى الذي سيسحقه وكسر إيران، لكنه فوجئ بأن الرئيس الأميركي فضّل مصالحه الانتخابية على أي اعتبار آخر. مصادر إسرائيلية تكشف أن نتنياهو لم يُستشر في أي من بنود الاتفاق، مما شكل إهانة سياسية كبرى قيل إنها "تهز أسس التحالف الإسرائيلي-الأميركي".
وتتزايد حدة الانتقادات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث يعتبر جنرالات الاحتياط وقادة "الأمن" السابقون أن الاتفاق "يهدد وجود إسرائيل" على المدى الطويل. هم يخشون من أن يؤدي تدفق الأموال إلى إيران إلى تعزيز قدرات حزب الله الصاروخية الدقيقة، التي يمكن أن تطال أي هدف في العمق الإسرائيلي بدقة متناهية، وأن تحول تل أبيب نفسها إلى مدينة خط أمامي في أي مواجهة مقبلة. هذه المخاوف جعلت البعض في الكيان يصف الاتفاق بأنه "محاولة اغتيال بطيء" للكيان.
على المستوى الشعبي، تعكس استطلاعات الرأي حالة من الإحباط العميق، حيث يعتقد غالبية الإسرائيليين أن حكومتهم فقدت قدرتها على التأثير في القرارات المصيرية التي تمس أمنهم. وسائل الإعلام الإسرائيلية تنشر يومياً تحليلات قاتمة تحت عناوين مثل "إيران المنتصرة" و"إسرائيل الخاسرة"، مما يزيد من حالة التشاؤم السائدة في الشارع الإسرائيلي، والذي بدأ يتساءل: إذا كانت أميركا قد باعتنا، فمن سيحمينا بعد اليوم؟
المفارقة الأكبر أن ما تُسمى "إسرائيل"، التي اعتادت أن تكون "الدولة اليهودية القوية" التي تملي شروطها على الجميع، تجد نفسها اليوم مجرد متفرج على تفاهمات تعقد فوق رأسها، وتؤكد لها أن زمن الهيمنة المطلقة قد ولّى. وكما قال مسؤول إسرائيلي لـ"يديعوت أحرونوت": "لقد أصبحنا خارج اللعبة، ولا أحد يسمع صوتنا. هذه هي الهزيمة الحقيقية".
توازنات جديدة...
في خضم هذا التحول المتسارع في ميزان القوى، تتبدل قواعد اللعبة في المنطقة بطريقة لم تعد تسمح بتكرار معادلات الماضي. فالعواصم التي كانت تفرض إيقاعها منفردة باتت اليوم أمام واقع جديد أكثر تعقيداً، حيث تتوزع مراكز التأثير وتتشابك خطوط القرار على نحو غير مسبوق.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز إيران ومحورها كفاعل رئيسي استطاع تثبيت حضوره في معادلات الردع والتأثير، في وقت تتسع فيه دائرة إعادة الحسابات داخل المعسكر المقابل.
وما يزيد المشهد دلالة، أن أصواتاً من داخل "إسرائيل" نفسها بدأت تتحدث بلغة غير معهودة، تعترف بالعجز عن التأثير وتقرّ بخسارة القدرة على فرض المسار، حتى وصل الأمر ببعض التوصيفات إلى الحديث صراحة عن "الخروج من اللعبة" و"فقدان التأثير" في القرارات المصيرية.
وهكذا، وبين اعترافات تتسرب من داخل الكيان نفسه، وتحولات تتسارع في الإقليم، يبدو أن مرحلة جديدة تُكتب اليوم، عنوانها الأبرز:
توازنات لا تُدار من طرف واحد… ومشهد إقليمي يعاد تشكيله من جذوره.
/إنتهى/