وبالتزامن مع مراسم وداع القائد الشهيد، آية الله «السيد علي الحسيني الخامنئي» و تشييعه في إيران والعراق، يستعيد الحاج «أبو آلاء الولائي»، الأمين العام لكتائب سيد الشهداء العراقية، في حوار حصري مع وكالة تسنيم الدولية للأنباء، محطاتٍ من علاقته بقائد الثورة الإسلامية في إيران، متوقفًا عند أبرز اللقاءات التي جمعته به، والسمات الشخصية التي تركت أثراً عميقاً في نفوس قادة وفصائل المقاومة.
ويتناول الولائي خلال الحوار ذكرياته مع الشهيدين الحاج قاسم سليماني والسيد حسن نصر الله، كاشفاً جوانب من طبيعة العلاقات التي ربطت قادة محور المقاومة، وآليات التنسيق في إدارة الملفات الإقليمية، ولا سيما الملف العراقي.
كما يسلط الضوء على رؤيته لمستقبل محور المقاومة، ودور الشعب الإيراني في مواجهة التحديات الأخيرة، والانعكاسات المتوقعة للتطورات الراهنة على المنطقة والعالم الإسلامي.
وفيما يلي النص الكامل لهذا الحوار:
.
تسنيم: حياكم الله أعزائي المشاهدين. مشاهدي وكالة تسنيم الدولية، نرحب بكم في هذا اللقاء الحصري مع الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، الحاج أبو آلاء الولائي.
حياكم الله، جناب الحاج.
أبو آلاء الولائي: حياكم الله، وأهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم، وأسأل الله أن يحفظكم.
تسنيم: بدايةً، نشكر جنابكم على إتاحة هذه الفرصة لوكالة تسنيم لإجراء هذا اللقاء.
أبو آلاء الولائي: أهلًا وسهلًا بهذه الوكالة المجاهدة، وأسأل الله أن يحفظكم ويوفقكم.

تسنيم: جناب الحاج، نبدأ مع الذكريات، وتحديدًا تلك التي جمعتكم بالإمام القائد. متى بدأت علاقتكم به؟ وكيف كانت أولى لقاءاتكم؟
أبو آلاء الولائي: أنا لست أبكي اليوم فقدك سيدي، لكنني أبكي عليًّا من جديد يُقتل.
هناك تشابهات كثيرة بين أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، والإمام السيد علي الخامنئي. فكلاهما يحمل اسم علي، وكلاهما ارتبطت سيرته بالجهاد والصبر والتضحية. وهذه التشابهات نادرة في صفحات التاريخ. من يقرأ التاريخ جيدًا يدرك أن هناك خطين متوازيين لا يلتقيان: خط الحق الممتد من أمير المؤمنين، مرورًا بالإمام الحسين، وصولًا إلى الإمام الخامنئي، وخط الباطل الممتد من معاوية ويزيد، وصولًا إلى صدام وأمريكا وإسرائيل ومن سار في هذا النهج.
الحديث عن الإمام القائد حديثٌ يبعث الدفء في النفس. فقد جمع بين الزهد، والحكمة في الإدارة، والشجاعة، وحب اللغة العربية، وحب العرب، ولم يفرّق يومًا بين مقاوم وآخر، بل دعم المقاومة السنية كما دعم المقاومة الشيعية. وقد نجح في أن تكون صورته حاضرة في بيوت المجاهدين في فلسطين، وكان قائدًا لكل حركات التحرر والمقاومة.
أما علاقتي الشخصية به، فقد بدأت بعد خروجي من المعتقل عام 2002، وبعد أن أصبحت لدينا لقاءات دورية مع الشهيد الحاج قاسم سليماني. ومن خلاله، وبالتنسيق مع الحاج أبو مهدي المهندس والحاج أبو مصطفى الشيباني، تشرفنا بلقاء الإمام القائد، وكذلك الشهيد السيد حسن نصر الله، والشهيد عماد مغنية.
كانت لقاءات دورية، وكان الإمام يفرح بلقاء المجاهدين، وتشعر وأنت تجلس معه أنه ليس مجرد عالم وفقيه، بل قائد يعيش هموم المقاومين ويقترب منهم بكل تواضع.

تسنيم: ما أبرز السمات الشخصية التي لفتت انتباهكم في شخصية الإمام القائد؟
أبو آلاء الولائي: أبرز ما كان يميزه وضوح الرؤية، إلى جانب دقته الأمنية واهتمامه بأدق التفاصيل.
أتذكر في عام 2006، وخلال أحد اللقاءات، دخلت كاميرات للتصوير، فطلب إبعادها حفاظًا على سرية وجوه الشباب، لأننا كنا نعمل آنذاك ضمن المقاومة السرية. كانت هذه الملاحظة منه قبل أن يتحدث بها أحد. كنا نستحي أن نتحدث بحضرته من شدة هيبته، لكنه كان يكسر الحواجز بنفسه ويقربنا إليه.
وكان يؤكد دائمًا أن المقاومة ليست بديلًا عن الدولة، بل قوة ينبغي أن تستفيد منها الحكومات، وأن يكون هناك توزيع للأدوار بين العمل السياسي والعمل المقاوم. وكان يقول إن الصبر والطاعة هما طريق النصر.
وفي آخر لقاء جمعنا به، بحضور ممثلي المقاومة العراقية واللبنانية واليمنية والفلسطينية، إضافة إلى الإخوة في الحرس الثوري، أشار إلى أننا مقبلون على أيام صعبة، وأن محور المقاومة سيدخل مرحلة جديدة سيكون له فيها دور كبير. وكانت إحدى رؤاه الأساسية إخراج الاحتلال الأمريكي من غرب آسيا. لقد امتلك رؤية ثاقبة، وكان محبوبًا من الجميع، وكان يتحدث معنا باللغة العربية، ويحرص على مخاطبتنا بها.

وما زلت أحتفظ بتربته، ومصلّاه، وبعض خواتمه، وكان كثيرًا ما يشير إلى عبارة: «إن معي ربي سيهدين».
ومجرد الجلوس إلى جانبه كان يمنح الإنسان طاقة ومعنويات هائلة، ويخرجه من حالة الفتور إلى حالة الاستعداد والعزم.
تسنيم: ما الذكرى التي لا تزال عالقة في ذهنكم مع الإمام القائد؟
أبو آلاء الولائي: كل لقاء معه كان ذكرى وتاريخًا قائمًا بذاته. كنا نبقى نتحدث بعد كل لقاء عما دار فيه حتى موعد اللقاء التالي، لما كان يحمله من حكمة ومعنويات ورؤية.
كان يوزع اهتمامه على جميع الحاضرين، ويلتفت إلى الجميع بعين الأب والقائد. رحمة الله يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيًا.
وأعتقد أن كثيرًا من الناس عرفوا الإمام القائد بعد استشهاده أكثر مما عرفوه في حياته، واليوم تُرفع صوره في أنحاء العالم، كما شاهدنا ذلك في ركضة طويريج وزيارة الأربعين. ونحن على يقين بأن هذه الدماء، كما دماء الشهيد السيد حسن نصر الله، ستثمر نصرًا جديدًا.
تسنيم: ذكرتم السيد حسن نصر الله، وقد عرفتموه عن قرب لأكثر من عشرين عامًا. كيف تصفون طبيعة هذه العلاقة؟ أعتقد أنها تحولت مع مرور الزمن إلى صداقة، أكثر من كونها علاقة عمل...

أبو آلاء الولائي: كان السيد حسن نصر الله يتمتع بفراسة نادرة ورؤية بعيدة. وأذكر أنه تحدث عام 2004 عن «المعركة الكبرى» التي ستقع بعد عشرين عامًا. وعندما وقعت حادثة «البيجر»، أرسلت رسالة أعلنت فيها استعداد المقاومة العراقية لإرسال آلاف المقاتلين إلى لبنان، فجاءنا رد شفهي منه يشكر المرجعية الدينية في النجف، ويشكر فصائل المقاومة العراقية، ويؤكد أن الوقت لم يتضح بعد إن كانت تلك هي المعركة الكبرى.
كانت لقاءاتنا معه طويلة، نناقش فيها الملفات السياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، وكان يجيب عن جميع الأسئلة من ذاكرته، دون الرجوع إلى أي ملاحظات. وكان يتمتع بثبات فكري ورؤية نافذة يصعب مقارنتها بأي شخصية أخرى.
ولهذا، فإن كثيرًا من محبيه لم يستوعبوا خبر استشهاده، وبعضهم ظل يعتقد أنه ما زال حيًا، وآخرون يتمنون أن يشهدوا ظهوره مجددًا مع ظهور الإمام المهدي.

تسنيم: هل كانت كثرة الملفات التي يتابعها تؤثر في إحاطته بتفاصيل الساحات المختلفة؟
أبو آلاء الولائي: على العكس تمامًا. في حياة الشهيد الحاج قاسم سليماني كانت الملفات موزعة بينهما، وبعد استشهاده تولى السيد حسن نصر الله (ره) متابعة عدد كبير من الملفات، ومنها الملف الفلسطيني واليمني، مع بقائه مطلعًا على أدق تفاصيل الملف العراقي. وكان يؤكد أن الملف العراقي له خصوصيته.
كنا نعتبر أن ما يقوله السيد حسن نصر الله في خطاباته يمثل توجيهًا واضحًا، لأنه كان ينقل رؤية الإمام الخامنئي باللغة العربية. ولهذا، عندما كان يعلن أن أي حرب ستكون حربًا إقليمية، كنا نتعامل مع هذا الكلام باعتباره تكليفًا واضحًا لا يحتمل التأويل.
تسنيم: حدثنا عن علاقتكم بالحاج قاسم سليماني، وبقية قادة الحرس الثوري، وكيف كانت إدارة الملف العراقي؟
أبو آلاء الولائي: كان الحاج قاسم سليماني ممثلًا للإمام القائد، ولذلك كنا نعتبر أن ما يقوله يعبر عن توجيهات الإمام. وكان السيد إسماعيل قاآني يؤكد في لقاءاته أن العلاقة بينه وبين فصائل المقاومة تقوم على النهج نفسه. أما بالنسبة للملف العراقي، فقد كان الحاج قاسم هو المسؤول المباشر عنه، سواء في الجوانب السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الجهادية. وكانت تربطه علاقة وثيقة بقيادات الحرس الثوري، لكن إدارة الملف العراقي كانت محصورة به.
تسنيم: ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشعب الإيراني في هذا التوقيت؟

أبو آلاء الولائي: أثبت الشعب الإيراني، خلال الحرب الأخيرة، أنه سرّ الانتصار الحقيقي. كان الأمريكي يراهن على وجود فجوة بين الشعب والدولة، لكن ما جرى أثبت العكس.
هذا الشعب صمد ووقف إلى جانب قيادته، وقدم رسالة واضحة بأن ما تحقق في الميدان لا ينبغي التفريط به على طاولة التفاوض. إنها مدرسة الإمام الخميني، ومدرسة الإمام الخامنئي، التي استطاعت، رغم الحصار الممتد لعقود، أن تحقق إنجازات كبيرة.
الإمام الخامنئي لم يكن قائدًا لإيران وحدها، بل كان حاضرًا في وجدان العراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين وكل الشعوب المظلومة. واليوم تُرفع صوره في أنحاء العالم، ونحن على يقين بأن دمه سيؤتي ثماره، وأن نتائج هذا الانتصار ستنعكس على العالم الإسلامي، ولا سيما على شعوب محور المقاومة.
نهاية الحلقة الأولي...