.
في مشهد نادر، يصطدم فيه الضمير بالسلطة، ويعلو فيه صوت الحقيقة على صوت الإعلام، يقف أمامنا كِين أوكيف، جندي المارينز السابق، الذي حمل السلاح بإسم أمريكا، ثم خلعه ليكشف وجهها الحقيقي. هو ليس مجرد جندي، بل شاهد عيان على جرائم الحرب التي ترتكبها بلاده، وناشطٌ تجرأ على كسر جدار الصمت، وفضح ما تخفيه واشنطن خلف شعارات الحرية والديمقراطية.
في حوار خاص مع وكالة "تسنيم"، يكشف "نيكولاس كان أوكيف" كيف تحول الجيش الأمريكي إلى أداة في يد النخبة المصرفية، وكيف أصبحت أمريكا، الدولة التي تدّعي قيادة العالم، هي الإرهابي الأكبر في القرنين العشرين والحادي والعشرين. كما يستعرض شهادته الميدانية، ويتحدث عن انتهاكات الجيش الأمريكي، وعن صمود إيران، وعن وحدة شعبها، وعن زيارته المؤثرة إلى ميناب، حيث بكى أمام قبور الأطفال الشهداء، ووقف وحيداً ليودع 150 شهيداً، كلٌ على حدة.
هذا الصوت الصادق القادم من داخل الغرب، هو ما يفتقده العالم اليوم، صوت يفضح زيف الإعلام الغربي، ويكشف أن ما يُقدّم على أنه "حرب على الإرهاب" ليس سوى حرب على الشعوب، ومشروع لنهب الثروات، وغطاء لجرائم لا تُغتفر. وهو أيضاً شهادة حية على أن إيران، رغم كل الحصار والعقوبات، هي الدولة الأكثر إنسانية وأخلاقاً في مواجهة آلة الحرب الأمريكية.
عندما قال 'لا'... تحرر من غسيل الدماغ العسكري الأمريكي
بداية الحوار كانت عن بعض محاطاته ومشاركاته في الحروب التي شنتها أميركا ضد الدول الآخرى وتجربته في الجيش الأميركي، قائلاً أنه "في تلك الفترة لم أشهد شخصياً جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم أصبحت أمراً يومياً. أي تحليل تاريخي جاد حول الحروب التي تورطت فيها بلدي، وحول الحرب نفسها، يقودك في النهاية إلى جرائم مروعة. وفي هذا الشأن، يوجد الكثير من الكلام. حتى حركة حماس تلتزم بقوانين الحرب أكثر من بلدي، لكن هذا حديث آخر.
خلال خدمتي في مشاة البحرية، كنتُ بارعاً جداً في عملي، وحظيت بمكانة أعلى من جميع زملائي خلال فترات خدمتي. لكن بمجرد أن رفضت تنفيذ أمر غير قانوني، عُوقبت بشدة.
في تلك الأيام، كانت هذه القضية مؤلمة جداً بالنسبة لي، وأقل ما يمكن قوله إنها أحدثت فوضى عارمة واضطراباً شديداً في حياتي. لكن هذه التجربة بالذات فتحت عقلي وذهني، وتمكنتُ من التخلص من تلك التلقينات وغسيل الدماغ التي تجبرنا على أن نهتف "هيا! أمريكا الأعظم، لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً". شعارات هي بالأحرى نتاج عقل ملقّن ومغسول، وليست نابعة من وعي حقيقي أو نظرة موضوعية لتاريخ أمريكا.
أمريكا الإرهابي الأول في العالم.. ولا مجال للتفاخر بجرائمنا
وحول بلده والجرائم التي ترتكبها أميركا بحق الشعوب والدول الآخرى، أكّد أوكيف أنه يحب بلده ولا يكرهه، لكنه مدرك لحجم الجرائم التي ارتكبوها، مضيفاً : "أقول إن أميركا ومنذ عقود الدولة الإرهابية رقم واحد في القرنين العشرين والحادي والعشرين. وإذا قمنا بقياس القصف والغزو والاحتلال، فالرعب الذي جلبناه على الأمم لا يمكن إنكاره. وبالفعل، لا يوجد أي مجال للتفاخر بمثل هذا السجل".
من حمل السلاح إلى حمل القلم.. رحلة بحث عن الحقيقة والضمير
وفي سؤال حول كيفية وصفه نفسه اليوم، قال اوكيف بأنه لا شك أن أفضل الناشطين المناهضين للحرب هم أولئك الذين خدموا في الجيش وشهدوا كل شيء عن كثب، مثلي. سؤال ملفت ومثير للاهتمام؛ من أنا حقاً؟ أنا شخص مميز جداً، وتقلدت أدواراً عديدة في الحياة. خضت تجارب مهنية متنوعة، ولديّ فهم شامل للحياة، وأنا دائم السعي للتعلم. لكن كيف أصف نفسي؟ من حيث المسمى الوظيفي، أنوي قريباً كتابة أول كتاب لي، وعندها سأكون "كاتباً" أيضاً؛ لكني محلل جيوسياسي. باحث في التاريخ، ناشط في حقوق الإنسان، مدرب غوص، وقائد قاربي، ومنتج. كنتُ أشياء كثيرة جداً؛ لكن في الحقيقة، أنا باحث وناشط يسعى لعالم أفضل، عالم يمكننا أن نتركه لأطفالنا بضمير مرتاح. لا أعرف بالضبط ما هو المسمى الرسمي لمثل هذا الشخص، لكن هذه هي المثل العليا التي أقف عندها.

من واشنطن إلى "تل أبيب": كيف حولت النخبة المصرفية أمريكا إلى 'إسرائيل الغربية
نكمل الحوار ليتوقف عند إحدى الحقائق التي لا يمكن إخفاءها، وهي أن أميركا لم تعد أمة ذات سيدة مستقلة، يشرح لنا قائلاً: "هذه حقيقة مرة ولاذعة، يكاد يكون من المستحيل على العديد من الأميركيين فهمها وتقبلها، رغم أن عدد من يتقبلونها اليوم في ازدياد. بلدي لم يعد أمة ذات سيادة مستقلة، ولم يعد كذلك منذ زمن طويل. هناك مجموعة في بلدي اليوم تتمتع بقوة خارقة؛ ليس فقط في أمريكا، بل في بريطانيا أيضاً. في اعتقادي، أن عائلة روتشيلد كانت قد امتلكت بريطانيا منذ القرن السابع عشر، وناثان روتشيلد لديه مقولة شهيرة: "أعطني القدرة على إصدار نقود أمة، فلا يهمني بعدها من يكتب قوانينها". هذه حقيقة بسيطة: حين يستولي المصرفيون على البنك المركزي لبلدهم ويجعلون من الربا أسلوب حياة ومهنة، يسقط بلدك في هاوية الديون، وتُستخدم ضرائب الناس لسداد تلك الديون. وهكذا من خلال هذه القناة، حولت "الدولة اليهودية الإسرائيلية" بلدي فعلياً إلى داعم ومموّل مالي لها.
الأميركيون الذين يكدّون ليل نهار يدفعون الضرائب لإنتاج أسلحة دمار شامل، ويُمنح الجزء الأكبر منها لـ"إسرائيل" لترتكب مجازر الإبادة الجماعية.
في "إسرائيل"، هناك خدمات صحية عامة، ولا بطالة، ومستوى المعيشة مرتفع. بينما في أمريكا، لدينا مدن تعج بالمشردين، وفقر مستشري، وأطفال جياع. لكن "إسرائيل" في رفاهية، لأننا نحن في أمريكا نصب كل ما نملكه عند أقدام "إسرائيل". ومع ذلك، في الواقع لا يمكن لأمريكا أن تتنصل من مسؤوليتها في هذا النظام؛ فنحن من يدفع ثمن أفعالنا. ولا يمكننا توجيه أصابع الاتهام فقط نحو "إسرائيل". كان بإمكاننا طرد "إسرائيل" من بيننا؛ تماماً كما طردتموهم أنتم، هنا في الجمهورية الإسلامية. أنتم لم ترحبوا أبداً بـ"الدولة اليهودية الإسرائيلية والصهاينة" في أحضانكم؛ لكننا نحن فعلنا. لذلك، أصبحنا عملياً "إسرائيل الغربية"؛ لم نعد "أميركيين"، بل "أمريستانيين". ونحن تحت احتلال مجموعة تشكل فقط اثنين بالمئة من سكاننا، لكنها تدير بلادنا.
.
مأساة ميناب بعيون جندي أميركي: 150 شهيداً وكل واحد منهم قصة لم تكتمل
وحول زيارته الى ميناب وأطفال ميناب الذين قتلهم الكيان الإسرائيلي بصواريخ أميركية، قال اوكيف :"عندما عدت إلى إيران هذه المرة، كنت أعلم أن أول مكان سأذهب إليه هو ميناب. وبمجرد وصولي إلى هناك... كما تعلمين، أنا لا أخطط لأي شيء مسبقاً، بل أتبع فقط نداء قلبي وصوته. ذهبت إلى هناك ووقفت عند قبر أول طفل، ونظرت إلى عينيه؛ كانت صور الأطفال محفورة على شواهد قبورهم. أمعنت النظر في عيون الأطفال واحداً واحداً، وواسيتهم بصمتي ومشاعري الممزوجة بالوداع والألم.
كنت أنظر إلى القبور لأدرك أكثر عمق المأساة. وكأني أرى نفسي أحد والدي ذلك الطفل، وأنظر إلى صورة طفلي، ماذا كان سيحصل لي وأي فاجعة ستحلّ بي. ثم أنظر إلى التراب الذي يضم طفلي الآن. والأصعب من كل هذا، هو الكثير من الأطفال الذين لم يتبق منهم سوى أشلاء، وأجسادهم غير كاملة. لذا وضعت نفسي مكان آبائهم وأمهاتهم، لأني أعرف جيداً ما كنت سأشعر به. وفعلت هذا أمام كل طفل على حدة؛ لذا استغرق الأمر قرابة ساعتين، وربما ثلاث. بعض تلك الصور كانت تنهال عليّ كجدار ثقيل، فأجهشت بالبكاء كطفل صغير لا يحتمل. ونظراً لعظمة هذا المصاب وفجاعته، أشعر بألم أولئك الآباء والأمهات بكل كياني وكأني كنت والد ذلك الطفل. وبالفعل، منذ وفاة والدتي -رحمها الله- لم أبكِ هكذا، وإن كنتم تريدون الصراحة، لقد بكيت في ميناب أكثر من ذلك الوقت. في نهاية ذلك اليوم، جفّت عيناي من شدّة البكاء. لكن شعرت أنه لا يجوز فقط أن أقف أمام عشرة أطفال من هؤلاء الـ150 شهيداً أو أكثر، لا أعرف العدد بالضبط، وأن أكتفي بالتحية ثم أمضي؛ فهذا التصرف كان سيكون نوعاً من عدم الاحترام. فبدأت فوراً وانحنيت أمام الطفل الأول، وعرفت أنني يجب أن أفعل ذلك أمام كل واحد منهم على حدة.

الحرب ليست دفاعاً عن الحرية، بل نهب لثروات الشعوب بأمر المصرفيين بإسم الديمقراطية
وفي سؤال حول امكانية مشاركته في الحرب ضد ايران لو عاد به الزمان إلى الوراء، اجاب أوكيف بأنه لم يعد ذلك الشاب ذات التسعة عشر عاماً، الذي وبصراحة كان جاهلاً. مضيفاً :"في ذلك العمر، لم أكن أعرف أنني في الحقيقة أصبحت أجيراً لدى المصرفيين؛ وهذا ما نحن عليه حقاً. على هذا الكوكب هناك مجموعة واحدة فقط تستفيد من الحرب بكل الطرق، وهم المصرفيون. ما من شيء يسعد أمة ويفرحها كما تسعد الحرب رجال المال.
وهنا، يصبح واجبي أن أذهب، وأهاجم، وأقتل كل من يقف في طريق نهب ثرواتكم، وأحتل أرضكم حتى نجبر الجميع على الاستسلام. وهذا ما يخططون له بشأن إيران: أن تخضع إيران للإمبراطورية وتتنازل عن سيادتها، ليظل شعبها محروماً، وتتمكن القوى الأجنبية المعادية مثل أمريكا و"إسرائيل" وبريطانيا من نهب ثرواتكم".
ترامب واحد من عصابة إبستين.. وأمريكا أصبحت غنيمة في أيدي المتحرشين بالأطفال
وحول علاقة ترامب بـ"إبتسين"، قال اوكيف: "أنا أقول هذا منذ عقود، أعرف كيف تعمل آلية السلطة، وهي تعمل بشكل جيد جداً. لأنه في المجتمع الغربي الملحد، لا يتسلق سلم السلطة سوى أولئك الذين تتوافق طباعهم مع شهوات النخبة. وبالطبع، هذا ينطبق أيضاً على بقية العالم، ليتمكنوا من الوصول إلى منصب الرئاسة، أو رئاسة الوزراء، أو عضوية الكونغرس أو مجلس الشيوخ. وهنا أقصد، لو كنت ذلك الشخص على قمة الهرم، ولو كانت مقاليد الجميع بيدي، وكل السلطة وكل الثروة بيدي، وأردت أن تنضم إلى ناديي، وتصبح ثرياً بشكل خيالي ومليارديراً، لا يمكنك ارتياد ذلك النادي أبداً إلا إذا كان بحوزتي ما يضمن لي السيطرة عليك، وما يضمن لي أن السيطرة تبقى في يدي، وأنك تحت إمرتي. الآن، شخص مثلي أو أي إنسان مؤمن بالله، غير قادر على الاعتداء على طفل. هذا ليس شيئاً يمكن أن أفعله أنا أو أي إنسان مؤمن بالله. لكن إذا كان الشخص مريضاً نفسياً أو معادياً للمجتمع -وهذا هو حال دونالد ترامب في كلا الأمرين- وطبعاً، يجب إضافة النرجسية إلى هذه الصفات - عندها تصبح "مؤهلاً". لذا يقولون: أنا ملياردير؛ هل تريد الانضمام إلى ناديي؟ حسناً، إصعد طائرتي معي وسنطير معاً إلى جزيرة تدعى جزيرة إبستين. سأعرفك على عدد من الفتيات؛ ليس نساء - بل فتيات، بل بالأحرى فتيات قاصرات: ثلاث عشرة سنة، اثنتا عشرة، إحدى عشرة، عشر، ثماني سنوات. لو حدث هذا لشخص مؤمن ومتدين، لكنت اعترضت فوراً وقلت: ما هذا؟ ماذا تفعلون؟ من هؤلاء الفتيات؟ لكن الشخص المريض نفسياً سيكون مسروراً جداً بهذا الوضع وسيغتصب طفلاً. والمشكلة أن هناك شريط فيديو؛ تماماً مثل هذه الغرفة التي نحن فيها الآن ويجري التسجيل هنا. يوجد أشرطة فيديو لدونالد ترامب وهو يمارس العلاقات الجنسية أو اغتصاب الأطفال. لذا، إذا كان بحوزتي مثل هذه الأدلة ضدك لإسكاتك، فسأكون أنا رئيسك ولن تتحدث ضدي أبداً. إذن، دونالد ترامب يعمل لصالح "طبقة إبستين"... بلدي نهبت وأصبحت غنيمة في أيديهم. وأنا متعب وحزين لأن إخوتي الأميركيين ساكتين ولا يفعلون ما يجب فعله. بلادنا يحكمها خائن متحرش بالأطفال.

إيران تلتزم بالقانون الدولي وأمريكا تقصف المدنيين.. من هو الإرهابي حقاً؟"
وحول الحرب الأميركية – الإسرائيلية على ايران، أكّد "أوكيف" أنه كشخص لديه خلفية عسكرية ويجري أبحاثاً واستشارات في هذه المجالات ويراقب الأوضاع "يمكنني القول إن الهجمات الاستراتيجية الإيرانية كانت لا تشوبها شائبة وبلا عيوب. لم أشهد أي عمل عسكري إيراني يمكن اعتباره جريمة حرب. وإذا كان هناك مثل هذا، فأنا لا أعلم به. بينما بلدي (أمريكا) ها هي تستهدف عادة أماكن مثل ميناب، وتقوم بذلك ليس فقط كهدف عادي، بل بقصد متعمد لقتل المواطنين المدنيين. إيران، وكما ما رأيت، قامت بعمل يستحق الثناء في تجنب الخسائر المدنية. وأعلم أن هذا السجل يعود إلى تاريخ إيران أيضاً. عندما قررت بلدكم عدم استهداف البصرة وبغداد بأسلحة كان يمكن أن تودي بحياة العديد من المدنيين. لقد كانت إيران أرفع من أن تقدم على هذه الخطوة؛ ولم تتخلَّ عن هذا المبدأ منذ ذلك الحين وحتى اليوم. أعني بذلك أنني أدعو الله أن يحفظ إيران على هذا النهج؛ إذا كان لابد من حرب، فهذه هي الطريقة الصحيحة... لا تقصفوا المدارس ولا تطلقوا الصواريخ عليها؛ وأنا أتمنى أن يُشنق من يقومون بمثل هذه الأفعال.
الغرب يرسم صورة كاذبة عن إيران والحجاب.. والحقيقة: إيران أكثر دول العالم تمسكاً بالقيم الإنسانية
وحول الصورة المرسومة والمقدمة عن ايران في الغرب والتي يشوبها التضليل الإعلامي، قال "أوكيف" أن الدعاية المقدمة لا تشبه حقيقة إيران على الإطلاق؛ بل هي عكسها تماماً. لذلك، لم يكن هناك شيء مفاجئ بالنسبة لي في هذه الرحلة؛ لقد رأيت مثل هذه الأشياء من قبل. الموضوع الكبير هو الحجاب. حيث يقال إن النساء إذا تجرأن على عدم ارتداء الحجاب، يخشين من أن تقوم الشرطة باعتقالهن وضربهن وقتلهن؛ هذه هي الصورة المرسومة في الغرب. أعلم أن هذا يشبه نكتة. بالطبع، إساءة استخدام السلطة موجودة في كل مكان في العالم. بالطبع، إيران أيضاً واجهت إساءة استخدام السلطة، وقد يكون هناك إساءة استخدام للسلطة حتى اليوم. أنا لا أبرر مثل هذه الحالات؛ لكن إذا أردنا أن نزن الأمور بشكل عادل، فإن إساءة استخدام السلطة في وطني أو في الغرب بأكمله، تظهر إيران، بالمقارنة، كأكثر دولة في العالم تمسكاً بالقيم. ربما كثير من الناس في هذا البلد، أو على الأقل عدد كبير منهم، يتوقون بشدة لنمط الحياة الغربية وأسلوبها. وأنا أتفهم هذا؛ حقاً أفهمه، لكن كشخص أتى من هناك، يمكنني بسهولة إلقاء محاضرة طويلة عن عواقب مجتمع غربي يقوم على المادية والإلحاد؛ ونتائجها كارثية وسلبياتها جسيمة.
الغرب يبيع الحرية المزيفة، وإيران تحمي مجتمعها من الانحلال
وحول مفهوم الحرية بعيداً عن الخطاب السياسي والإعلامي، يرى "اوكيف" بأن ايران التي تخوض حرباً حقيقية على أرضها، فمن البديهي أن تكون الحريات محدودة لأسباب مفهومة وهذا إجراء ضروري، مؤكداً: "لقد تعرّضتم مؤخراً لإعتداء صريح على سيادتكم ومحاولة لتغيير النظام، وهذا يعني أن عدداً لا يستهان به من عملاء جهاز استخباراتي معاد، وتحديداً الموساد الإسرائيلي، كانوا نشطين هنا. وحتى الآن، قد يكون الموساد لا يزال موجوداً في إيران.
هذا العدو اعتمد على الإنترنت لتنفيذ عمليات مدمرة وعدائية في هذا البلد. لذلك، من غير المتوقع أن تكون إيران موطناً للحرية المطلقة وساحة مفتوحة لكل شيء، فهذا غير منطقي في ظل ظروفها. ليس لديكم هنا ما لدينا نحن في الغرب، أي حرية الوصول إلى المواقع غير الأخلاقية أو مجموعة من الأشياء الإلحادية وسائر مظاهر الانحلال. لذا، أعتقد أن كلمة "الحرية" هي شيء يجب على الناس التفكير فيه والتأمل به. الشيطان سيبيعكم الحرية؛ وسيصور لكم أن الله إله قمعي يمارس القمع عبر قوانينه، ويحول بينكم وبين حريتكم الحقيقية ويمنعكم من أن تصبحوا أنفسكم. هذا هو بالضبط منطق الشيطان؛ بكل ما للكلمة من معنى. لذا أعتقد أننا يجب أن نكون حذرين بشأن كلمة "الحرية" ونبحث فيها بشكل أكثر جدية حول كيفية أن يكون المجتمع سليماً، ومستقراً، وفاضلاً، وشريفاً. في مجتمع شريف، لا يجب أن تكون لديكم حرية تغيير الجنس، أو ممارسة الجنس مع الحيوانات. إذا أردنا التوجه نحو الحرية المطلقة، فسيصل الأمر إلى هذا الحد، لذا يجب أن نكون حذرين من كلمة "الحرية".

إيران صنعت المعجزات تحت الحصار.. والعقوبات الغربية تقتل الأطفال
وحول القوة التي تمتلكها ايران رغم العقوبات الآحادية والحصار، قال "اوكيف إعترف "أوكيف" أنهم في الغرب لا يفهمون ماذا يعني أن تمتلك دولة أخرى مثل هذه القوة، كي تضعنا تحت حصار اقتصادي مثل الذي تحمّله الشعبان الإيراني والعراقي. مضيفاً: "وهنا يجب أن أشير إلى أنه بعد حرب الخليج الأولى التي شاركت فيها، تم فرض عقوبات كثيرة على العراق. يُقال وقد تم تأكيده، أن أكثر من 500 ألف طفل ماتوا نتيجة مباشرة للعقوبات المفروضة على العراق. كان لدينا وزيرة خارجية يهودية تدعى مادلين أولبرايت، كانت وزيرة الخارجية. في ردها الشهير على سؤال حول العقوبات التي أدت إلى وفاة خمسمئة ألف طفل، عندما سألها مراسل: "لقد سمعنا أن خمسمئة ألف طفل ماتوا نتيجة العقوبات، هل كانت هذه التكلفة تستحق العناء؟" قالت حينها مادلين أولبرايت: "حسناً، إنه قرار صعب، لكننا نعتقد، بشكل عام، أن هذه التكلفة كانت تستحق". لذا، قتل خمسمئة ألف طفل من خلال العقوبات الاقتصادية والحصار، كان يستحق العناء بالنسبة لمادلين أولبرايت اليهودية".
يؤمن "أوكيف" أن الناس في الغرب لا يفهمون الصمود الاستثنائي والحقيقي للشعب الإيراني، معبّراً "أنه في ظلّ هذه العقوبات، نجحتم في بناء قوة دفاعية رائعة حقاً، هي على أقل تقدير قوة فريدة من نوعها، وقدرة إنتاجية، واستقلالاً غذائياً، والعديد من الأشياء الأخرى التي لا تملكها أمريكا رغم وصولها لكل شيء. لذا، العقوبات الاقتصادية هي أكثر وحشية بكثير مما يفهمه الناس في الغرب، وهذه جريمة كبرى. وفي قراءة هذا الموضوع، أعتقد أن ما فعلته إيران، وخاصة صمودها أمام هذه الإمبراطورية، هو أمر مذهل حقاً. وأعتقد أن التاريخ سيهتم كثيراً بسياسات إيران، كيف لم تحافظ فقط على بقائها، بل وصلت إلى نقطة هزمت فيها الإمبراطورية. أية أمة أخرى صمدت وقاومت تحت هذا الحصار؟ هذا إنجاز مذهل للغاية".
إيران وفلسطين في عيون الغرب قصة واحدة مكررة.. وشعبان كريمان يكسران الصورة النمطية
وفي سؤال حول مشاهدته للشعب الإيراني بعيداً عن ما يصفه الإعلام، استعاد "اوكيف" نظرة الشعوب سابقاً عن الفلسطينيين، مبيّناً: "نسمع الكثير خاصة في الغرب عن الفلسطينيين، طبعاً هذا الوضع تحسن قليلاً فيما يخص الشعب الفلسطيني، لكن إذا عدنا إلى 10 أو 15 أو 20 سنة مضت، كان الفلسطينيون يُعتبرون إرهابيين. قيل لنا مراراً وتكراراً أنهم يريدون قتل كل اليهود. واليوم، نفس الرواية التي يطلقونها على إيران، نفس الوصف بنفس النبرة وبنفس الزيف. عندما ذهبت إلى فلسطين لأول مرة قبل 23 عاماً أنا لم أصدق هذا الادعاء، ولم أقبله عندما أتيت إلى إيران لأول مرة منذ 15 عاماً. شعب إيران، مثل شعب فلسطين، طيبون جداً، وكرماء جداً، ومنفتحون جداً.
الجميع هنا يقولون لي: "نحن لا نكره الأميركيين". كل فرد إيراني يقول إننا لا نكره الأميركيين، ويشرح معنى شعار "الموت لأمريكا". أقترح أن نقول "الموت للإبستينيين" أو "الموت لطبقة إبستين"، أياً كان، هذه فكرتي وهذا رأيي.
أعلم أن الناس في الغرب يسمعون هذا الشعار "الموت لأمريكا". وفي الترجمة الإنجليزية المبسّطة، تبدو العبارة وكأنها تدعو لقتلنا جميعاً، من دون تمييز. لكن الحقيقة هي، كما تعلمون، أن كل إيراني يقول: "نحن نحب أمريكا، نحن لا نكرهكم، هذه حكومتكم التي نعاديها". النقطة المثيرة للاهتمام هي أن أمريكا وإيران لديهما عدو مشترك. هذه الغدة السرطانية الخبيثة (إسرائيل)، هي عدونا المشترك، لكن الفرق أننا فتحنا له ذراعينا، وأنتم طردتموه من بلادكم.
.
إيران علمتني الإنسانية وعدت إلى إيران لأعتذر نيابة عن بلادي
نكمل الحوار ويؤكد "اوكيف" أن الشعب هنا في ايران يواجه جرائم المروعة، ولدى الشعب كل الحق أن يكون حاقداً، متذمراً، عدائياً، غاضباً مني كجندي مارينز سابق، فقط لأنني أتيت من دولة قامت بتمزيق الأطفال وقتلهم وتمزيقهم إرباً إرباً. لكن هنا في إيران حتى الآباء الذين لديهم هذا الحق المطلق في الغضب وحتى إظهار الكراهية تجاهي لم يُظهروا لي سوى اللطف، وأنا بعودتي إلى هنا، أصبحت إنساناً أفضل. عندما بدأت هذه الحرب الأخيرة، كنت أعرف أنه يجب عليّ أن آتي إلى هنا؛ لأنني أيضاً أشعر بالاشمئزاز والغضب من هذا الأمر. أريد من مسؤولي دولتنا أن يكونوا مسؤولين وأن يدفعوا الثمن. أنا صوت هؤلاء الناس في الغرب الذين هم أيضاً مرعوبون، غاضبون، ومكسورو القلب بشدة. أتحدث باسمهم وبلسانهم لأقول إننا آسفون بشدة، آسفون جداً لكل هذا الموضوع. لا نريد أن تتكرر أي من هذه الفظائع مرة أخرى، وأدعو الله أن لا تتكرر.
.
إسرائيل ورم سرطاني يجب استئصاله.. وإيران والمقاومة يخطون النهاية الحتمية لأمريكا والكيان الغاصب
وفي مشهد يُعيد كتابة تاريخ الصراع، يخلع "كين أوكيف" جلد الجندي الأميركي ليرتدي روح المقاومة، معلناً أن إيران والمقاومة هما الأمل الوحيد لاستئصال الورم السرطاني الذي يهدد السلام العالمي، مضيفاً: "أنتم تهزمون أمريكا، وتخطون خطوات نحو النهاية الحتمية لهذا الوحش المعروف بـ"دولة إسرائيل اليهودية". هذه الغدة السرطانية يجب استئصالها، تماماً كما يُستأصل الورم السرطاني من الجسد. وهذا الكوكب لن يتذوق طعم السلام العادل أبداً طالما هذا الوحش موجود. ذلك النظام مبني على الإبادة الجماعية والاعتداء والتعذيب، وسيبقى مجرماً مريضاً نفسياً، انتحارياً وساماً. كيان قام بفضل احتلال جزء من سكان العالم لأرض ليست لهم. يعتبرونك أنت، وأنا، وكل من لم يولدوا يهوداً "عبيداً". إنهم يعتقدون أن لديهم الحق في اغتصابنا، وقتلنا، واستعبادنا؛ وهذا ما تقوله كتبهم المقدسة. لا توجد أي فرصة ضئيلة لأن يكون لدينا عالم أفضل طالما أن هذه الغدة السرطانية موجودة. إذن، كيف يمكنني التعبير عن حبي للمقاومة؟ أولئك الذين يقفون بوجه هذا العدو الوحش، أكثر من أي شيء، عائلتي، إخواني، مقاتلو حماس والجهاد الإسلامي ومقاومة فلسطين. وأعلم أن العالم بأسره تقريباً، بما في ذلك الدول العربية والإسلامية المزعومة، أداروا ظهورهم لهم. لكن هناك دولاً قليلة مثل إيران وقفت إلى جانبهم؛ وهذا سبب آخر لحبي لإيران".

"إسرائيل" تتفوق في قتل الأطفال وتفشل في مواجهة الرجال
وهنا يصل "كين أوكيف" إلى ذروة شهادته الميدانية، حيث يفضح حقيقة الجيش الإسرائيلي التي يخفيها الإعلام: ماهرون في قتل المدنيين، جبناء في مواجهة المقاتلين، مهزومون في غزة، ومتوقفون أمام حزب الله وأنصار الله، مشيراً أنه كل ما يمكن للإسرائيليين أن يفعلوه هو توجيه أسلحتهم على السكان العزل، خاصة في غزة، ويفعلون ذلك فقط لأن أمريكا العظمى تمول خط إنتاج منتظماً للأسلحة لهم. لديهم القدرة على استخدام أسلحتهم ضد الفلسطينيين العزل في غزة. وما يبدعون به هو قتل المدنيين، لا أحد يضاهيهم في هذا، إنهم ماهرون جداً بهذا. لكن في المعارك البرية والاشتباك المباشر، ومن خلال ما عايشته بنفسي، فهم جبناء، جبناء مطلقون. لقد هُزموا في غزة، لذا عمدوا لقتل كل الناس وتدمير كل البيوت. عدد مقاتلي حماس منذ بدء هذه الإبادة الجماعية الوحشية في 7 أكتوبر لم ينقص، بل ازداد. وعندما يتعلق الأمر بحزب الله، فهم لم يتوقفوا. أنصار الله -حفظهم الله- هم قوة مهمة جداً في اليمن، وهم يقاتلون كما ورد في القرآن، وأخيراً إيران. لكنني أدعو أن تنهي إيران المهمة، ومن ثم تتحد كل قوات المقاومة كقوة واحدة. إذا كان بإمكاني أن أكون جزءاً من تلك القوة المقاتلة وأن أمتلك رشاشاً، فسأفعل ذلك بكل فخر.
.
بين وحدة إيران وانقسام أمريكا.. شعب يصنع المعجزات وآخر ينهار تحت أكاذيب ترامب
وبينما تنهار أمريكا تحت وطأة انقساماتها وأكاذيب ترامب، يقف كِين أوكيف مندهشاً أمام مشهد الوحدة الإيرانية التي لم يرَ لها مثيلاً في أي دولة غربية، متحدثاً عن وحدة الشعب الإيراني اليوم والاستثنائية، ولو كانت أمريكا تملك مثلها، لاعتبرت ذلك أعظم إنجازاتها. حتى في ظروف الحرب، والتي عادة ما توحد الأمة - مهما كانت الحروب غبية، القوى التي تدعم الجيش وتساهم في صنع الرواية الوطنية، تخلق حالة من الالتفاف الشعبي. لكن في أمريكا، انعكس الأمر بشكل مختلف حيث أصبح الشعب أكثر انقساماً وتشتتاً. لأن ترامب خاض حملته الانتخابية بوعد إنهاء الحروب التي لا نهاية لها، وهكذا كذب علناً، فأصبح البلد اليوم أكثر انقساماً وتشرذماً من أي وقت مضى. بينما إيران، في كل مكان سافر فيه عبر هذا البلد، أظهرت لي هذه الوحدة. أينما ذهبت، شعب إيران في الشوارع؛ كباراً وصغاراً، جميعهم موجودون في الشوارع فعلياً. ما رأيت مثل هذا التلاحم في أمريكا، ولا حتى ما يشبهه في أي دولة غربية. لذا، كيف يمكنني تجاهل حقيقة أن هذا البلد أصبح أكثر اتحاداً مما كان عليه قبل بدء هذه الحرب، وحتى قبل أن يرتقي المرشد الأعلى -رحمه الله- شهيداً.
المقاتلون أقوى الرجال.. وإسرائيل مثل جالوت تهزمها الإرادة
وكما قارع المتنمرين في شوارع إيرلندا، يجد "أوكيف" في مقاتلي المقاومة صورته الحقيقية: طفلٌ يتعلم القتال ليواجه جالوت، محاربٌ بلا سلاح لكن بإرادة لا تلين. يكمل حديثه متحدث عن شعبه بأنهم الإيرلنديون فكاهيون جداً ويعرفون كيف يستمتعون بحياتهم، لكن في نفس الوقت "نحن دائماً مستعدون للقتال والمعارك. نحن دائماً مستعدون لذلك، لذا، أنا أيضاً لا أحب المتنمرين؛ لم أحبهم أبداً، ولطالما كرهتهم، واعتبرته واجبي أنه إذا تنمر متنمر على طفل أضعف، أن أذهب وأقف أمام ذلك المتنمر وأقول: أنت، توقف! إذا كنت تريد التنمّر على أحد، فأنا موجود، ضايقني أنا. وإنه لفخر كبير لي أن ألكم ذلك المتنمر على وجهه وأذله وأرى أنفه ينزف دماً، كي لا يتجرأ على فعل ذلك مرة أخرى.
لذا، المقاومة هنا تشبه ذلك الطفل الذي كانوا يريدون التسلط عليه. ليس لديهم الإمكانيات التي تملكها "إسرائيل"، مثل القبة الحديدية، والصواريخ، والمقاتلات، والأقمار الصناعية، وكل هذه الأسلحة المرسلة من أمريكا، لذا، فإن "إسرائيل" مثل المتنمر. ومع ذلك ورغم أن مقاتلي المقاومة يمثلون الأقل والأضعف، وليس لديهم جيش، أو قوات بحرية، أو قوات جوية، أو مشاة بحرية - ليس لديهم شيء-، المقاومة هنا تشبه ذلك الطفل الذي تعرض للتسلط لكنه تعلم القتال، وهو اليوم يقاتل جالوت الكبير بطريقة عكسية لم يتوقعها العدو، وهذا الطفل الصغير ماهر بما يكفي ليلكم جالوت على وجهه ويذل ويروض المتنمر. لذا، أكرر أنني أحب هذا النهج، هؤلاء هم الأشخاص الذين أعجبت بهم في حياتي. لم أحاول أبداً تقليد أحد، لكني أنا كمحارب أتخذهم قدوة لي. من حيث الرجولة، في رأيي لا يوجد شيء أكثر إعجاباً من المقاتل، مثل يحيى السنوار، رحمه الله، إنه مقاتل شرس، هذا رجل وقدوة حقيقية لكم، والأمر ذاته ينطبق على حزب الله".

لقاء السيد حسن نصر الله كان حلم، ورجال المقاومة هم أقوى رجال العالم
وحول حبه للذهاب الى لبنان أكّد رغبته بالذهاب، مؤكداً أيضاً أن "إسرائيل" ستستقبلني بصاروخ. أنا متأكد أنهم سيفعلون ذلك، لكن حتى هذا لا يمكن أن يكون عائقاً أمامي. أرغب بشدة في الذهاب إلى لبنان، هناك العديد من الأشخاص ممن كنت أرغب في مقابلتهم، مثل السيد حسن نصرالله (رحمه الله)، لقد كان رجلاً وسيماً أيضاً. إلى جانب الوحدات العملياتية، التقيتُ شخصياً بالعديد من المجاهدين في ساحات القتال. لقد قابلت العديد من مقاتلي حماس والجهاد الإسلامي. أنا أحترم هؤلاء الأشخاص؛ لقد كنت أنا نفسي ضمن هؤلاء الأشخاص ذات يوم. أعتقد أن هؤلاء المقاتلين هم بطريقة أو بأخرى أقوى وأفضل الرجال في العالم كله.
العار علينا.. نشهد إبادة غزة ونصمت، والمقاومة تقدم الدماء والغرب يتفرّج
وفي مشهد يعكس فشل الضمير العالمي، يضع "أوكيف" أصبعه على الجرح الأكبر: الإبادة الجماعية التي تحدث أمام أعين العالم دون أن يحرك أحد ساكناً، قائلاً : "العار علينا أننا نشهد إبادة جماعية في الوقت الحقيقي (على الهواء)؛ الأمم المتحدة التي أنشأت "إسرائيل" تتكلم وتتكلم وتتكلم فقط، وتشاهد الأطفال يذبحون وتقصف جميع المستشفيات أمام أعينها، وتقصف جميع الجامعات والمدارس، ويُقتل جميع الصحفيين. نحن هنا جالسون نشاهد كل ما يجري. وهل بذلنا ما يكفي في هذا العالم لمساعدة شعب فلسطين، وخاصة غزة؟ الجواب: لا على الإطلاق! العار علينا؛ العار علينا أن سمحنا بحدوث هذا. على الأقل يمكن لإيران أن تقول إنها قدمت دعماً مادياً وجهوداً ومساعدات ودعماً حقيقياً. لكن حتى عن إيران، أقول إنها كانت تستطيع فعل المزيد، وبالتأكيد بقية العالم. العار المطلق على الجميع باستثناء المقاومة. أنتم على الأقل قمتم بواجبكم وضحّيتم بأرواحكم، ليس فقط دفاعاً عن أنفسكم، بل دفاعاً عن فلسطين. لذلك، هذا سبب آخر لحبي الكبير للمقاومة، التي تضحي بحياتها بكل شرف".

أمريكا أسيرة الإنكار وهي الأعظم في القتل والنفاق واستعباد الشعوب، والشعب الإيراني شعب مذهل وحضارة عريقة
وقبل انتهاء الحوار، وبعد كل ما تحدثنا به عن تجاربه ومشاهداته بين الجيش الأميركي والشرق الأوسط والإعلام، الحقيقة التي يعتقد أن العالم الغربي لا يزال يرفض الاعتراف بها اليوم وتحديداً ميناب، أكّد "اوكيف"انه عندما تنكشف الحقيقة، سترون كيف ستنهار حياتكم بكل فخر وعظمة. عكس ما تعتقد، هم شعب يعطي كل ما لديه للآخرين، حضارة عمرها آلاف السنين، شعب مذهل. إذا لم تقاوم الظلم، فلن تكون إنساناً، بل ستصبح جزءاً من ذلك الظالم. سيصنفونك كعدو... لا فضيلة أعلى من الموت في المعركة ضد هذه الحلقة الاستبدادية.
.
يقال إن "الإنكار" ليس فقط اسم نهر في مصر (النيل)، الناس (الأميركيون) أسرى الإنكار. لأنهم إذا قبلوا بما تراه أعينهم، ينبغي أن يدركوا أن أمريكا ليست الأفضل في أي من الميادين التي يفتخرون بها. أنتم الأعظم في القتل الجماعي، والأعظم في النفاق، والأعظم في الصيد الجنسي، والأولى في استعباد الشعوب. أنتم لستم عظماء في أي شيء ذي قيمة. ولكن الاعتراف بأنهم كانوا على خطأ، ليس فقط في الحاضر بل في كل ما عرفوه عن تاريخ بلدهم، يتطلب رجالاً بحجم التاريخ نفسه. فقط الرجال والنساء الضعفاء يلجأون للكذب؛ لأنهم جبناء جداً لمواجهة الحقيقة. الناس الأقوياء يواجهون الحقيقة؛ وحيث يجب أن يعترفوا بأخطائهم، يفعلون ذلك. أما الضعفاء فيتظاهرون بأنهم لم يروا الحقيقة بأعينهم، ويعودون للكذب مجدداً. وللأسف، هذا الوصف ينطبق على الكثير من إخواني وأخواتي الأميركيين. وأيضاً لحسن الحظ، هناك عدد متزايد من الناس سلكوا الطريق الصحيح والأخلاقي، يرون الحقيقة ويفعلون ما يُملي عليهم ضميرهم. لذا، أشعر بالخجل من الجهل الاختياري لبلدي، وفي المقابل هناك الكثير من الناس الطيبين أيضاً.
المقاومة تقف مع الإنسانية والله... وهي رمز للتحرّر عند الشعوب
وفي ختام اللقاء، وكلمة لكل من يدعم المقاومة ومحورها، اظهر "اوكيف" كيف يواجه ويعتقل ويتعرض للهجمات كل من يتحدث لصالح المقاومة، مبيّناً حقيقة ما تعرض له بسبب مواقفه قائلاً: "أنا شخصياً في بريطانيا، في مركز شرطة هامر سميث، بسبب دعمي لمنظمة "محظورة"، وتحديداً حماس، حيث أعلنت دعمي علناً لحماس، تم اعتقالي واستجوابي، وتحمّلت تكلفة السجن أيضاً. وأعلم أن ثمن ذلك هو السجن وفقدان الوظيفة على الأرجح. لكن الأمر يتطلب تضحية حقيقية لتكون لديك الشجاعة لقول هذه الأشياء. لكنني أشجع الناس في الغرب على اتباع طرق يمكنها كشف الحقيقة حول ماهية المقاومة حقاً، لأن المقاومة في الحقيقة تقف إلى جانب الإنسانية والله.
لذا، يجب على المسيحيين الاعتراف بأن هؤلاء الناس يحاولون حماية سيادتهم ومستقبل أطفالهم ومنع الإبادة الجماعية؛ فكيف يمكن تسمية أولئك الذين يدافعون ويحمون كل هذا بالإرهابيين؟ لكن يجب أن تكون لديكم الشجاعة والصدق للاعتراف بأنكم كنتم مخطئين تماماً ووقفتم في الجانب المعاكس للحقيقة.
أنا أشجع الناس على مواجهة هذا التحدي وكل التضحيات والمخاطر التي تتحملونها؛ ورغم ذلك لا تتخلوا عن النضال. لا تقبلوا بسهولة فكرة أن "لا أستطيع فعل شيء"، ابحثوا عن طرق خلّاقة لإظهار الحقيقة.

هناك مقولة مشهورة تقول: "من تراه إرهابياً، هو رمز للتحرر عند آخرين". اعترافاً بالحقيقة؛ هؤلاء هم مقاتلو الحرية... المقاومة ليست إرهاباً. لذا يمكنكم استخدام هذا الاقتباس: "من تراه إرهابياً، هو رمز للتحرر عند آخرين"، ويمكنكم وضع صورة لحزب الله أو حماس إلى جانب هذه العبارة، فهي شكل من أشكال النضال الفكري الأقل خطورة".
/إنتهى/