وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن التقييمات الاقتصادية لتداعيات حرب رمضان وإغلاق مضيق هرمز على الولايات المتحدة تشير إلى أن آثار الأزمة تجاوزت تقلبات أسواق الأسهم أو الارتفاعات المؤقتة في أسعار النفط. فبحسب المعطيات المتداولة، لم يواجه الاقتصاد الأمريكي انهياراً فورياً، لكنه تكبد أضراراً هيكلية طويلة الأمد في ثلاثة مجالات رئيسية: تضخم المنتجين، وسوق الدين الحكومي، وثقة المستثمرين الأجانب.
وهم الحصانة بفضل النفط الصخري
خلال السنوات الأخيرة، اعتبر العديد من المحللين أن ارتفاع إنتاج النفط الصخري وتحول الولايات المتحدة إلى منتج صافٍ للطاقة منحا الاقتصاد الأمريكي نوعاً من الحصانة الهيكلية تجاه أزمات الطاقة العالمية. غير أن أزمة هرمز أظهرت حدود هذه الفرضية.
فعلى الرغم من تراجع اعتماد الولايات المتحدة المباشر على واردات النفط من الخليج الفارسي، فإن اندماجها في السوق العالمية للطاقة جعل أسعار الوقود المحلية، ولا سيما البنزين والمشتقات النفطية، تتأثر سريعاً بصدمة الإمدادات الناتجة عن إغلاق المضيق.
وانعكس هذا الارتفاع عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
زيادة مباشرة في أسعار الوقود للمستهلكين وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
ارتفاع تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، ما أدى إلى زيادة أسعار السلع.
تصاعد التوقعات التضخمية، الأمر الذي قيد هامش المناورة أمام الاحتياطي الفيدرالي في سياسته النقدية.
تباطؤ النمو دون انهيار
وتشير بيانات الاقتصاد الحقيقي إلى أن عجلة الإنتاج في الولايات المتحدة لم تتوقف، لكنها فقدت جزءاً من زخمها.
فبعد أن توقع الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا نمواً بنسبة 3% خلال ربيع 2026، فيما قدرت الأسواق النمو عند 2.3%، لم يتجاوز معدل النمو المحقق 2.1%.
كما حافظ إنتاج المعدات الصناعية والسلع الرأسمالية على مساره التصاعدي، في حين تراجع إنتاج السلع الاستهلاكية النهائية، في مؤشر على بداية انكماش الطلب الأسري.
وفي الوقت نفسه، أبقت مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي توقعاتها لنمو الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2026 عند حدود 2%، ما يعني أن الاقتصاد تجنب الانزلاق إلى ركود حاد، لكنه فقد جزءاً مهماً من قدرته على تحقيق نمو أعلى.
تضخم أكثر رسوخاً
ورغم أن توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد وإعادة فتح المضيق تدريجياً خلال يونيو/حزيران خففا من الضغوط التضخمية، فإن معدل التضخم السنوي للمستهلكين استقر عند 3.5%، بينما بلغ تضخم المنتجين 5.5%.
ويعكس هذا الوضع ما يصفه اقتصاديون بـ"التضخم اللزج"، أي انتقال هيكل التكاليف في الاقتصاد الأمريكي إلى مستوى أعلى يصعب التراجع عنه سريعاً.
سوق السندات.. بؤرة الضربة الاستراتيجية
وترى هذه التقديرات أن التأثير الأشد خطورة للأزمة وقع في سوق سندات الخزانة الأمريكية، الذي يشكل الركيزة الأساسية لتمويل الحكومة الفيدرالية.
ومن أبرز المؤشرات التي سُجلت في هذا السياق:
ارتفاع عائد سندات الخزانة لأجل عامين بنحو 0.75 نقطة مئوية.
ارتفاع عائد السندات لأجل عشر سنوات بنحو 0.54 نقطة مئوية.
قفز تكلفة التأمين ضد مخاطر التعثر (CDS) على السندات الحكومية قصيرة الأجل من 16 إلى نحو 30 نقطة أساس.
ويعني ارتفاع العوائد انخفاض أسعار السندات وارتفاع كلفة الاقتراض بالنسبة للحكومة الأمريكية.
كما تشير التقديرات إلى أن المستثمرين الأجانب باعوا خلال الشهر الأول من الأزمة ما يقارب 140 مليار دولار من سندات الخزانة الأمريكية لتوفير السيولة وتعويض خسائرهم التجارية، ما زاد الضغوط على سوق الدين الحكومي.
الاحتياطي الفيدرالي بين خيارين أحلاهما مر
ووضعت الأزمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة معقدة. فبينما كان يستعد قبل اندلاع الحرب لخفض أسعار الفائدة دعماً لسوق الإسكان والائتمان، وجد نفسه أمام موجة تضخمية جديدة.
وبذلك واجه خيارين متعارضين:
الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو رفعها للحد من التضخم، وهو ما يزيد أعباء خدمة الدين الحكومي ويرفع كلفة الاقتراض على القطاع الخاص.
خفض الفائدة لتسهيل إدارة الدين العام، وهو ما قد يؤدي إلى انفلات التوقعات التضخمية وإضعاف الدولار.
وتبعاً لهذه الرؤية، أدى هذا التناقض إلى تقييد قدرة الاحتياطي الفيدرالي على استخدام أدواته النقدية، وزاد من مخاطر الدخول في مرحلة من الركود التضخمي على المدى المتوسط.
أضرار مالية طويلة الأجل
إن قدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على نمو يقارب 2% لا تعني أن صدمة هرمز كانت بلا تأثير. فبينما تمكنت الولايات المتحدة من تجاوز الجانب المادي لأزمة الطاقة، تمثلت الخسائر الأعمق في بنيتها المالية، من خلال ارتفاع تكاليف خدمة الدين العام وخروج استثمارات أجنبية ضخمة من سوق السندات، ما يفرض أعباءً إضافية طويلة الأمد على صناع القرار الاقتصادي في واشنطن.
/انتهى/