أمل شبيب
في أحدث نوبات هوسه بمضيق هرمز، خرج ترامب ليعلن أنه سيعترف بالمضيق أرضاً تابعة للولايات المتحدة الأميركية، "متجاوزاً بذلك تهديداته السابقة بتحويل إيران نفسها إلى "ولاية 52"، ليعلن أن المضيق سيصبح تابعاً للأراضي الأميركية. لكن الرئيس الأميركي، الذي يعاني من عقدة جغرافية حادة، يبدو أنه نسي أن مضيق هرمز ليس ولاية، بل معادلة إيرانية من جغرافيا وقوة، وأن من يملك الجزر والصواريخ، هو من يملك القرار، وليس من يملك منصة للخطابات الفارغة.
من كندا إلى هرمز.. ترامب يعيد إنتاج وهم الضم
في أحدث نوبات هوسه بمضيق هرمز، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليعلن أنه سيعترف بالمضيق "أرضاً أمريكية"، متجاوزاً بذلك حتى "الولاية 52" التي كان يهدد بضم إيران إليها. وكأن الجغرافيا مجرد عقار يمكن شراؤه بمرسوم رئاسي، أو خريطة يمكن إعادة رسمها بنقرة زر. لكن ترامب، الذي يعاني من عقدة جغرافية حادة، يبدو أنه نسي شيئاً أساسياً: أن مضيق هرمز ليس ولاية، بل معادلة إيرانية من جغرافيا وقوة، وأن من يملك الجزر والصواريخ، هو من يملك القرار، وليس من يملك منصة للخطابات المتكررة الفارغة.
ففي الوقت الذي كان فيه ترامب يهدد بـ"الجدار الفولاذي" و"السيطرة الكاملة" على المضيق، كانت القطع البحرية الإيرانية تجوب مياهه بحرية، وكانت صواريخها الساحلية تتربص بأي سفينة تحاول تحدّي الإرادة الإيرانية. وهذا هو التناقض الأكبر: رئيس أمريكي يعجز عن فتح مضيق، يهدد بضمّه. وكأنه يريد أن يقول للعالم : ما دمتُ عاجزاً عن فتح المضيق، سأفتح فمي لأسيطر عليه بالكلمات. وكأن هوسه بالسيطرة تحول إلى هوس بالادعاء، وكأنه يظن أن التكرار، مهما بلغ، قادر على قلب الحقائق، وأن الجغرافيا قد تخضع لمنطق الخطابات الفارغة كما تخضع الخرائط لأوامر الرؤساء.
ترامب والولاية 52.. عندما يصبح الهوس بديلاً عن السياسة
منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها ترامب حربه على إيران، كان يعتقد أن القوة العسكرية كافية لفرض الإرادة الأميركية. لكنه فوجئ بأن إيران ليست دولة يمكن إسقاطها بقصف جوي، وأن مضيق هرمز ليس ممراً يمكن السيطرة عليه بخطابات نارية. وهنا بدأ الهوس: كلما فشل في الميدان، ازدادت خطاباته تطرفاً، وكلما تراجعت قدراته العسكرية، تصاعدت تهديداته اللفظية.
ولعل تصريحه الأخير عن "ولاية هرمز" هو الذروة في هذا الهوس. فبعد أن فشل في تحقيق أي من أهداف حربه، من إسقاط النظام إلى تفكيك البرنامج النووي إلى فتح المضيق، قرر ترامب أن يلجأ إلى سلاحه الأخير: الوهم. فهو يريد أن يبيع للشعب الأميركي أن الحرب كانت ناجحة، وأن الولايات المتحدة "تملك" الآن أهم ممر مائي في العالم. لكن الحقيقة، التي تعكسها التقارير الميدانية والصور الفضائية، تقول عكس ذلك تماماً.
فالسيطرة على مضيق هرمز ليست مجرد ادعاءات سياسية، بل هي معادلة جغرافية وعسكرية متكاملة، حيث تمتد المياه الإقليمية الإيرانية لتشمل أجزاء واسعة من المضيق، وتتوزع على ضفتيه الشمالية والشرقية شبكة من الجزر المحصنة، مزودة بصواريخ ساحلية ورادارات متطورة وزوارق سريعة، قادرة على إغلاق الممر في دقائق، أو تعطيل حركة الملاحة برفع كلفة العبور وإبطاء المرور. وهذه القدرات ليست نظرية، بل جرى اختبارها عملياً في أزمات سابقة، حيث أثبتت إيران قدرتها على فرض إرادتها، وجعلت أي سفينة تعبر المضيق تفكر مرتين قبل أن تغامر. وفي المقابل، يقف ترامب عاجزاً، لا يملك سوى تهديدات لا تغير من واقع السيطرة الإيرانية شيئاً، وكأن خطاباته تصطدم بجدار جغرافي لا يمكن اختراقه.
الجغرافيا الإيرانية.. كيف تحوّل المضيق إلى معادلة ردع؟
ما يجهله ترامب – أو يتجاهله – هو أن إيران لا تدير المضيق بمنطق القوة البحرية التقليدية، بل بمنطق جغرافي دقيق يقوم على تحويل الموقع إلى أداة ردع وتعطيل. فإيران لا تراهن على إغلاق مضيق هرمز بشكل دائم، بل على إبقائه مفتوحاً نظرياً، مع الاحتفاظ بالقدرة على رفع كلفة العبور فيه، وإرباك حركة الملاحة، أو تعطيلها كلياً أو جزئياً متى اندلعت الأزمات.
تملك إيران الضفة الشمالية والشرقية للمضيق، إضافة إلى شبكة من الجزر القريبة من ممرات الملاحة الدولية، أبرزها "قشم" و"لارك" و"هرمز" و"هنجام" و"سيري" وهي مواقع تمنحها عمقاً للمراقبة والتمركز والإسناد. وتبرز "جزيرة لارك" بفضل قربها المباشر من مجال العبور وقصر زمن استجابتها، بينما تتيح الجزر الأقرب من عنق المضيق مراقبة السفن ودعم القوات وتهديد الممرات المحيطة.
وهذا ما يمنح إيران قدرة على فرض إرادتها دون الحاجة إلى خوض معركة تقليدية مفتوحة مع البحرية الأميركية. فهي تعتمد على منطق الحرب غير المتماثلة، القائم على استغلال ضيق البيئة الجغرافية لتقليص حرية حركة الخصم، بدل السعي إلى التفوق عليه في مجمل القوة العسكرية.
العقد النارية المتقدمة.. جزر إيران التي ترهب الأساطيل
ما يجعل النموذج الإيراني فريداً هو قدرته على تحويل الجزر الصغيرة إلى "عقد نارية" يصعب اختراقها. ففي "طنب الكبرى" و"طنب الصغرى" و"أبو موسى"، تنتشر صواريخ ساحلية ورادارات وزوارق سريعة، في تكوين عسكري يخلق منطقة تهديد متداخلة، حيث يصبح أي اقتراب بحري مكلفاً، وأي عبور محفوفاً بالمخاطر.
وتؤدي "جزيرة قشم"، بمساحتها البالغة نحو 1491 كيلومتراً مربعاً، دور الكتلة الجغرافية التي تسيطر على جزء كبير من الساحل الشمالي للمضيق، وتمنح إيران عمقاً جغرافياً ومجالاً للمراقبة البحرية والجوية يتجاوز الاعتماد على الساحل القاري وحده. وفي "بندر عباس"، يقع مركز القيادة والسيطرة والإسناد، ليربط هذه الجزر جميعاً بالعمق الإيراني في منظومة طبقية متكاملة.
هذه المنظومة تجعل أي محاولة أميركية للسيطرة على المضيق أشبه بمحاولة اقتحام قلعة محصنة بمداخل متعددة، كل منها محمي بصواريخ ورادارات وقوات سريعة التحرك. وهذا ما يفسر عجز ترامب عن تحقيق أي تقدم حقيقي، رغم كل التهديدات والوعيد.
هرمز ليس مجرد ممر، بل ورقة تفاوض دائمة
سياسياً، تستخدم طهران المضيق بوصفه ورقة تفاوضية وأداة ضغط دولي، فتربط أمن الملاحة بسلوك خصومها، وتستند إلى خطاب سيادي قانوني، مقروناً بضغط عملي مضبوط ورسائل تصعيدية قابلة للتراجع، وقدرة على تدويل الأزمة كلما اقتضت الحاجة.
وهذه الاستراتيجية أثبتت فعاليتها، لأنها تجعل أي تهديد أميركي للمضيق يتحول إلى تهديد للاقتصاد العالمي، وأي محاولة لفرض السيطرة عليه تصطدم بحقيقة أن عشرين مليون برميل من النفط تمر عبره يومياً، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي. وهنا تكمن عبقرية النموذج الإيراني: أنه لا يحتاج إلى وقف حركة الملاحة بأكملها، إذ يكفي رفع مستوى المخاطر، وإبطاء حركة المرور، وزيادة كلفة التأمين البحري، وتقويض ثقة شركات النقل بالممر.
ترامب يواجه حقيقة لا يمكن ضمها بمرسوم
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن لرئيس أمريكي أن يهدد بضم ممر مائي يبعد آلاف الأميال عن سواحله، بينما إيران تتحكم فيه من خلال شبكة جزر وصواريخ وقواعد لا يمكن اختراقها؟
ترامب، الذي يريد أن يظهر بمظهر الرجل القوي، ينسى أن الجغرافيا لا تُضم، وأن الممرات البحرية لا تُشترى، وأن إيران ليست دولة يمكن تخويفها بالخطابات. فالمضيق الذي يريد أن يجعله "ولاية أميركية" هو نفسه الذي تسيطر عليه إيران من خلال جزرها وعقدها النارية، وهو نفسه الذي أصبح ورقة ضغط إيرانية في كل مفاوضاتها مع الغرب.
ترامب يعيش وهم السيطرة، بينما إيران تعيش حقيقة الجغرافيا. وهذه هي المعركة الحقيقية: ليست معركة الصواريخ والقواعد، بل معركة الفهم والتصور. ومن يملك الجغرافيا يملك القرار، ومن يملك القرار يملك المستقبل.
/إنتهى/