1. الرئیسیة
  2. کل العناوین
  3. الشرق الأوسط
  4. الدولی
  5. ایران
  6. الأقتصاد
  7. تکنولوجیا الفضاء
  8. الثقافة والمجتمع
  9. الریاضة
  10. التقاریر المصورة
  11. الفیدیوهات
  12. الغرافیک
    • فارسی
    • english
    • Türkçe
    • עברית
    • Pусский
  • RSS
  • Telegram
  • Instagram
  • Twitter
  • الرئیسیة
  • کل العناوین
  • الشرق الأوسط
  • الدولی
  • ایران
  • الأقتصاد
  • تکنولوجیا الفضاء
  • الثقافة والمجتمع
  • الریاضة
  • التقاریر المصورة
  • الفیدیوهات
  • الغرافیک

الأسد ترامب وأسطورة الشاشة: "نصر" على المنصات… وهروب في الشاحنة!

  • 2026/08/19 - 15:05
  • الأخبار الدولی
الأسد ترامب وأسطورة الشاشة: "نصر" على المنصات… وهروب في الشاحنة!

بين صورة «المنتصر» التي يصنعها عبر المنصات، والواقع الذي فرض عليه ترتيبات أمنية سرّية ومغادرة متخفّية خوفاً من التهديد الإيراني، وبين «نصر» في المنشورات وهروب في الشاحنة، يجد ترامب نفسه أمام سؤال واحد: هل تستطيع الكلمات أن تصنع انتصاراً عندما تقول الوقائع شيئاً آخر؟

الدولی

أمل شبيب

 

أيُّ ترامب يعرفه العالم؟

ترامب الذي يظهر على شاشة الهاتف، يعلن الانتصارات ويتوعد خصومه ويتحدث بلغة الرجل الذي لا يُهزم؟ أم ترامب الذي يظهر عندما تنطفئ الكاميرات، ويصبح الواقع أقوى من المنشور، والخطر أكثر حضوراً من كل عبارات التهديد؟

هناك ترامب الذي يعرفه العالم من "تروث سوشال": رئيس لا يتوقف عن إعلان الانتصارات، يكتب بلغة المنتصر، يرفع سقف التهديد، يتوعد خصونه ويقدّم نفسه باعتباره الرجل الذي هزم إيران وأجبرها على دفع ثمن المواجهة.

وهناك ترامب آخر ظهر في تركيا...ترامب الذي غادر سراً، وسط ترتيبات أمنية استثنائية، ويُقال إنه نُقل في شاحنة تموين قبل أن يستقل طائرة بديلة، بعدما اعتُبرت عودته بالطائرة الرئاسية التقليدية أكثر خطورة في ظل ما إدعاه بالتهديد الإيراني. وهنا تبدأ المفارقة التي يصعب على أي منشور أن يخفيها: كيف يمكن لرئيس يعلن أنه هزم إيران، أن يجد نفسه مضطراً إلى تغيير طريقة خروجه خوفاً من التهديد الذي يقول إنه سحقه؟

هنا لا تعود المسألة مجرد تفصيل أمني عابر، ولا مجرد إجراء احترازي يمكن المرور عليه سريعًا. فالصورة تضع خطاب ترامب أمام اختبار الواقع: الرئيس الذي يقدّم نفسه على أنه الرجل الذي حسم المواجهة وأجبر خصمه على التراجع، يجد نفسه في المقابل أمام ترتيبات أمنية استثنائية لمغادرة أرض حليف أميركي، بعدما أصبح التهديد الإيراني عاملاً حاضراً في حسابات حمايته وخروجه.

ترامب الذي يظهر على «تروث سوشال» بصورة الرجل الذي لا يخاف، بدا في الواقع محكوماً بحسابات أمنية دقيقة؛ وترامب الذي يكتب بلغة الانتصار والقوة والحسم، احتاج إلى طريقة خروج سرية من مكان يفترض أنه تحت حماية حليف في حلف شمال الأطلسي. وهنا تصبح المسافة بين الصورة التي تُصنع على الشاشة والواقع الذي يفرض نفسه على الأرض أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فأي صورة نصدق؟ صورة ترامب التي يكتبها هو على الشاشة، أم صورة ترامب التي كشفها الواقع عندما أُغلقت أبواب الشاحنة؟

 

على الشاشة.. رئيس لا يُهزم وفي الواقع حدّث ولا حرج

منذ دخوله المشهد السياسي، بنى ترامب جزءاً أساسياً من قوته على الصورة. هو لا يكتفي باتخاذ المواقف، بل يصنع حولها رواية. لا يكتفي بالإعلان عن قرار، بل يقدمه باعتباره انتصاراً تاريخياً. ولا ينتظر دائماً أن تكتب وسائل الإعلام قصته؛ بل يذهب مباشرة إلى الجمهور عبر منصاته، وفي مقدمتها "تروث سوشال". هناك، يمكن للرئيس أن يختار كلماته، وصوره، وتوقيت منشوراته، وأن يقدّم الأحداث من الزاوية التي يريدها.

على الشاشة، لا يوجد تردد. لا توجد مخاوف أمنية. لا توجد صورة لرئيس يغادر في شاحنة.هناك فقط ترامب المنتصر. لكن السياسة الدولية لا تُدار كلها على الشاشة، والحرب لا تقرأ المنشورات، والصواريخ لا تتوقف لأن رئيساً كتب أنه انتصر، والتهديدات الأمنية لا تختفي لأن الحساب الرسمي أعلن أن المهمة انتهت، وهنا تحديداً تبدأ مشكلة ترامب.

 

من "النصر الساحق" إلى شاحنة التموين

بحسب ما نقلته CNN، وبحسب التفاصيل التي كشفتها "واشنطن بوست"، جرى إخراج ترامب سراً من تركيا في تموز/يوليو الماضي، قبل أن يستقل طائرة بديلة، في ترتيبات أثارت أسئلة سياسية وأمنية واسعة. وقد أظهرت التفاصيل أن ترامب صعد أولاً إلى طائرة "إير فورس وان" القديمة أمام الكاميرات، ثم نُقل سراً عبر شاحنة تموين تابعة للمطار إلى طائرة عسكرية أصغر من طراز C-32A، بينما واصلت الطائرة الأولى رحلتها وعلى متنها صحافيون وموظفون، لتكون بمثابة طائرة تمويه. والأكثر إحراجاً أن ترامب نفسه أقر لاحقاً بأنه استخدم طائرة بديلة بناءً على توجيهات جهاز الخدمة السرية.

هنا تصبح القصة أكبر من مجرد تغيير طائرة. لأن الصورة التي خرجت إلى العلن هي صورة رئيس أميركي يُقال إنه اضطر إلى تغيير طريقة مغادرته بسبب مخاوف أمنية مرتبطة بإيران. وهذا يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: إذا كانت إيران، وفق الرواية الأميركية، قد خرجت من الحرب منهكة ومهزومة وفقدت قدراتها العسكرية، فلماذا ظلّ خطرها كافياً لاتخاذ كل هذه الإجراءات لحماية الرئيس الأميركي نفسه؟ كيف يمكن أن تكون إيران "مهزومة"، وفي الوقت نفسه قادرة على جعل خروج الرئيس الأميركي من بلد حليف عملية أمنية سرية؟ وكيف يمكن أن تكون واشنطن قد حققت "النصر"، بينما يبقى الخوف من الرد الإيراني حاضراً إلى درجة تغيير ترتيبات سفر الرئيس؟

 

ترامب القوي خلف الشاشة.. وترامب القَلِق في الميدان

المشكلة ليست في أن الرئيس يخضع لإجراءات أمنية. أي رئيس أميركي يخضع لحماية مشددة، وهذا أمر طبيعي.لكن المفارقة السياسية تكمن في الفجوة بين الصورة التي يبيعها ترامب لجمهوره وبين الصورة التي يمكن أن يستنتجها المراقب من الوقائع الميدانية.الرجل الذي يكتب بمنطق "أنا انتصرت"، يظهر في لحظة أخرى في وضع يستدعي ترتيبات سرية لمغادرته. الرجل الذي يتحدث عن القوة المطلقة، يكشف الواقع أن أمنه الشخصي يحتاج إلى حسابات دقيقة أمام خصم يقول إنه هزمه. وهنا تصبح "تروث سوشال" جزءاً من المعركة نفسها.

فإذا كانت الحرب بالنسبة إلى ترامب معركة عسكرية وسياسية، فهي أيضاً معركة رواية. ومن يملك الرواية يملك القدرة على تقديم الهزيمة باعتبارها انتصاراً، والتراجع باعتباره مناورة، والخوف باعتباره احتياطاً أمنياً، والفشل باعتباره "نجاحاً استراتيجياً".

لكن المشكلة أن الصور أحياناً تكون أقوى من المنشورات، لأنها لا تحتاج إلى تفسير طويل كي تضع الخطاب أمام تناقضاته؛ صورة رئيس يعلن النصر، ثم يضطر إلى تغيير طريقة خروجه سراً، قادرة وحدها على فتح الأسئلة التي قد تحاول عشرات المنشورات إغلاقها. فحين تصبح الصورة شاهداً على ما يحدث خارج الشاشة، لا يعود سهلاً إقناع الناس بأن ما يرونه بأعينهم أقل أهمية مما يُكتب أمامهم على الهاتف.

 

الهروب الذي تحوّل إلى سؤال سياسي

وهنا يفرض المشهد سؤالاً ساخراً لا يمكن تجاهله: إذا كان ترامب قد أعلن النصر على إيران من خلف الشاشات، فهل سيعلن النصر القادم من صندوق شاحنة؟

هل سيخرج علينا ليقول إنه حقق "انتصاراً تاريخياً"، بينما الصورة التي ستبقى عالقة في ذاكرة العالم هي صورة رئيس أميركي يغادر سراً، مختبئاً خلف ترتيبات أمنية استثنائية، بعدما أصبح الخوف من التهديد الإيراني حاضراً حتى في طريقة خروجه من أرض حليف؟ أي نصر هذا الذي يحتاج صاحبه إلى الاختباء؟ وأي قوة هذه التي تُعلن من خلف الشاشة، بينما يبحث صاحبها في الواقع عن أكثر الطرق أماناً للهرب؟

ربما يستطيع ترامب أن يكتب على "تروث سوشال" أنه انتصر، وأن يملأ صفحته بصور القوة والتهديد والوعيد، لكن السؤال سيبقى ساخراً وثقيلاً: هل أصبح "صندوق الشاحنة" منصة النصر الجديدة؟ وهل يحتاج المنتصر فعلاً إلى أن يختبئ كي يغادر أرض المعركة؟

 

الهاتف أقوى من الميدان...

في زمن أصبحت فيه المعارك تُخاض على الشاشات بقدر ما تُخاض في الميدان، لم تعد الصورة مجرّد انعكاس لما يحدث، بل أصبحت جزءاً من المعركة نفسها. فالكلمات يمكن أن تُعيد ترتيب الوقائع، والمنشورات يمكن أن تصنع انطباعاً عن القوة أو الضعف، والصورة التي تصل إلى الجمهور قد تصبح أحياناً أهم من الحدث الذي أنتجها.

وهنا تحديداً تبرز قوة الخطاب السياسي عندما يتحول الهاتف إلى منصة لإدارة الرواية، وحين يصبح المنشور وسيلة لتحديد كيف يجب أن يرى الناس ما يجري، لا مجرد وسيلة للإخبار عنه. وقد يكون ترامب بارعاً في استخدام الإعلام المباشر، ولا يحتاج إلى مؤتمر صحفي طويل لكي يعلن موقفاً، فمنشور واحد قادر على إطلاق عاصفة سياسية، لكن هذه القوة الرقمية لها حدود.

فيمكنك أن تكتب أن مضيق هرمز مفتوح، لكن إذا كانت الوقائع العسكرية والسياسية تقول إن الولايات المتحدة تخوض معركة مكلفة لإعادة الوضع إلى ما كان عليه، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بما كُتب، بل بما يجري على الأرض. يمكنك أن تعلن أن إيران انهارت، لكن إذا بقيت طهران قائمة، وبقي نظامها موجوداً، وبقيت قادرة على التأثير في الحسابات الإقليمية، فإن إعلان الانتصار لا يحسم المعركة وحده.

ويمكنك أن تقدم نفسك باعتبارك الرجل الذي لا يخشى أحداً، لكن إذا تحولت مغادرتك من بلد حليف إلى عملية سرية تتطلب وسائل نقل بديلة، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً، وتكون النتيجة: المنشور يستطيع أن يصنع انطباعاً، لكنه لا يستطيع أن يلغي الواقع.

 

نصرٌ في المنشورات.. واستنزافٌ في الترسانة الأميركية

لكن حين تسقط المعركة من شاشة الهاتف إلى أرض الواقع، لا يعود معيار القوة هو عدد التصريحات ولا حجم التهديدات، بل ما تستطيع الدولة أن تتحمله فعلياً، وما تدفعه من موارد وقدرات، وما يبقى في ترسانتها بعد انتهاء المواجهة. فخلف صورة القوة التي تحاول واشنطن الحفاظ عليها، هناك حسابات عسكرية لا يمكن إخفاؤها طويلاً، لأن الحرب في النهاية تترك أرقاماً ومخزونات مستهلكة وكلفة يصعب تغطيتها بخطاب سياسي.

ومن هنا، الأمر لا يتعلق بترامب وحده.ما تكشفه هذه القصة هو مشكلة أوسع في الرواية الأميركية عن الحرب. فبحسب ما أوردته CNN، هناك مؤشرات على استنزاف مخزونات الصواريخ الأميركية الاعتراضية خلال الحرب، مع حديث عن استهلاك نسبة كبيرة من مخزون أحد أنظمة الدفاع الصاروخي الرئيسية. وهنا تظهر مفارقة أخرى: إذا كانت الحرب قد انتهت بانتصار أميركي حاسم، فلماذا تُثار في الوقت نفسه أسئلة حول حجم الاستنزاف العسكري الأميركي؟ النصر العسكري الحقيقي لا يقاس بعدد المنشورات، بل بما بقي لديك بعد انتهاء المعركة.

كم بقي من الصواريخ؟

كم بقي من القدرة على الرد؟

كم بقي من المخزون؟

كم كلفت الحرب؟

وما الذي تغير فعلياً على الأرض؟

هذه هي الأسئلة التي لا تستطيع "تروث سوشال" الإجابة عنها بمنشور واحد. ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الجيوش بما تعلنه بعد المعركة، بل بما يبقى في مخازنها عندما تنتهي. وحين تبدأ الصواريخ بالانخفاض، والمخزونات بالاستنزاف، والكلفة بالارتفاع، يصبح "النصر" الذي يُعلن من خلف الشاشة أمام اختبار لا تستطيع الكلمات تجاوزه: ماذا بقي من القوة الأميركية بعد أن انتهت الحرب؟

 

إيران التي أراد ترامب إسقاطها.. فإذا بها حاضرة في حساباته

لكن حتى لو افترضنا أن واشنطن نجحت في توجيه ضربات قاسية إلى إيران، تبقى المعركة الحقيقية أبعد من حجم الدمار الذي خلّفته الصواريخ. فالحروب لا تُقاس فقط بما تستطيع الطائرات تدميره، وإنما بما تستطيع السياسة تحقيقه بعد أن تصمت الطائرات. قد تضرب دولة، وقد تستهدف منشآتها، وقد تفرض عليها كلفة باهظة، لكن ذلك كله لا يعني بالضرورة أنك حققت الهدف الذي دخلت الحرب من أجله.

وهنا تحديداً تنتقل المعركة من سؤال ماذا أصابت أميركا؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا استطاعت أن تغيّر؟ ترامب أراد أن يجعل إيران عنواناً لانتصار أميركي. لكن المفارقة أن إيران نفسها أصبحت حاضرة في تفاصيل أمنه، وفي حسابات سفره، وفي حديث الإعلام الأميركي، وفي النقاش حول قدرة واشنطن العسكرية، وفي مستقبل الحرب. وهذا يعني أن المشكلة بالنسبة إلى ترامب ليست فقط في ما إذا كانت إيران قد تلقت ضربات أم لا، المشكلة الأكبر هي: هل استطاعت الولايات المتحدة أن تحقق الهدف السياسي الذي أرادته من الحرب؟

فالضربة العسكرية شيء، وإسقاط الخصم شيء آخر، وتغيير سلوكه شيء ثالث. أما إجباره على الاستسلام وقبول الشروط الأميركية، فهو معركة مختلفة تماماً. وهنا لا يعود السؤال: هل استطاعت أميركا أن تضرب إيران؟ فهذا أمر يمكن قياسه بالصور والبيانات والأهداف المعلنة. السؤال الأصعب هو: هل استطاعت أن تجعل إيران تفعل ما أرادته واشنطن؟

فإذا بقي الخصم واقفاً، وبقي قادراً على اتخاذ قراراته، وبقي حاضراً في الحسابات الإقليمية والدولية، فإن إعلان الانتصار لا يصبح نهاية الحرب، بل بداية اختبار جديد للرواية الأميركية. لأن الدولة التي تستطيع أن تُصاب ولا تُجبر على الخضوع، لا تكون قد خرجت من المعركة مهزومة؛ كما أن الدولة التي تستطيع أن تضرب ولا تستطيع فرض إرادتها السياسية، لا تستطيع أن تعتبر القوة العسكرية وحدها انتصاراً كاملاً. وهنا تحديداً تكمن عقدة ترامب:  قد يستطيع أن يعلن نهاية المعركة متى شاء، لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر ماذا تركت الحرب في الطرف الآخر، ولا أن يفرض على إيران أن تصدّق الرواية التي كتبها عنها.

 

ترامب والشاشة.. لكن ماذا عن الواقع؟

بعد كل ما سبق، يبقى السؤال الذي لا يستطيع أي خطاب سياسي أن يتجاوزه: ماذا يحدث عندما تنتهي مساحة المناورة على الشاشة، ويصبح الرئيس أمام واقع لا يمكن إعادة صياغته بمنشور؟ فهناك لحظة تتوقف فيها الكلمات عن صناعة المشهد، وتبدأ الوقائع بفرض شروطها؛ لحظة لا يعود فيها مهماً كيف قدّم ترامب الحرب لجمهوره، بل ماذا استطاعت واشنطن فعلياً أن تفعل، وماذا بقي خارج قدرتها على التحكم.

على منصته، يستطيع ترامب أن يكتب آخر كلمة، ويستطيع أن يعلن أنه انتصر، وأن يهاجم خصومه ويسخر منهم، ويستطيع أن يقدم نفسه للرأي العام باعتباره الرجل الذي أجبر العالم على الخضوع لإرادته. لكن في العالم الحقيقي، لا يملك الرئيس الأميركي زرّاً يمحو التهديدات، فهناك خصوم وهناك صواريخ وجغرافيا وحلفاء ومخزونات عسكرية ومصالح اقتصادية، ووهناك دول لا تستطيع واشنطن ببساطة أن تفرض عليها ما تريد. وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: ترامب يستطيع أن يكتب آخر كلمة في المنشور، لكنه لا يستطيع أن يكتب وحده آخر كلمة في الحرب.

فالحرب لا تنتهي عندما يعلن أحد أطرافها أنه انتصر، وإنما عندما يصبح قادراً على فرض النتائج التي ذهب إلى الحرب من أجلها. وما لم يتحقق ذلك، يبقى كل إعلان للنصر جزءاً من معركة الرواية، لا حكماً نهائياً على الميدان. وهنا تحديداً تسقط الحدود بين ترامب الذي يريد أن يراه العالم، وترامب الذي يضطر الواقع إلى أن يكونه؛ الأول لا يخسر أبداً على الشاشة، أما الثاني فعليه أن يواجه، بعد انتهاء المنشور، حسابات لا يمكن حذفها بضغطة زر.

 

هروب لا توثّقه المنشورات

لكن بعد كل ما قيل عن القوة والانتصار والاستنزاف، تبقى هناك صورة واحدة يصعب وضعها جانباً، لأنها لا تأتي من تحليل سياسي ولا من خصم لترامب، بل من واقعة حدثت بالفعل. صورة تختصر في لحظة واحدة التناقض بين رئيس يريد أن يظهر للعالم ممسكاً بكل خيوط المشهد، وبين واقع أمني فرض عليه أن يتعامل مع الخطر بطريقة مختلفة تماماً.

ربما لم تكن مغادرة ترامب السرية من تركيا، بحد ذاتها، دليلاً على الهزيمة العسكرية الأميركية، وقد تكون دوافعها الأمنية مبررة تماماً من وجهة نظر جهاز الحماية الرئاسية. بل إن المصادر الأميركية نفسها أوضحت أن حماية الرئيس كانت الدافع الأساسي للعملية، وأن تهديداً إيرانياً محتملاً أدى إلى هذه الترتيبات، لكن سياسياً وإعلامياً، يصعب تجاهل الصورة التي أنتجتها. فرئيس يعلن النصر على إيران، ثم يضطر إلى مغادرة مكان وجوده بطريقة سرية وغير اعتيادية بسبب مخاوف أمنية مرتبطة بالحرب نفسها.

والأكثر إثارة أن صحافيين كانوا على متن الطائرة التي استُخدمت كطائرة تمويه لم يكونوا على علم بأن الرئيس لم يعد على متنها، وقد أثار ذلك لاحقاً أسئلة حول الشفافية وسلامتهم الشخصية.

هذه الصورة ستبقى أقوى من عشرات المنشورات، لأنها لا تتحدث عن ترامب الذي يريد أن يراه الناس، بل عن ترامب الذي ظهر عندما اصطدمت صورته بالواقع. ففي النهاية، يمكن للرئيس أن يختار كلماته، وأن يختار الصورة التي يريد نشرها، وأن يعلن النصر بالطريقة التي تناسبه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يختار الصورة التي سيحتفظ بها التاريخ. وفي هذه القصة تحديداً، قد لا تكون أكثر الصور رسوخاً هي صورة ترامب وهو يعلن النصر، بل صورة الرئيس الذي احتاج إلى أن يختفي عن الأنظار كي يغادر بأمان.

وهنا تصبح شاحنة التموين أكثر من وسيلة نقل؛ تصبح لحظة اصطدمت فيها رواية القوة بالواقع، وخرجت الصورة من الشاشة لتقول ما لم تستطع كل المنشورات قوله.

 

أسد في المنشور.. لكن خارج الشاشة!!!

بعد كل ما سبق، لم تعد الحكاية مجرد قصة عن طريقة غادر بها ترامب تركيا، ولا عن ترتيبات أمنية استثنائية رافقت انتقاله من طائرة إلى أخرى، ولا حتى عن التهديدات التي دفعت فريق حمايته إلى تغيير تفاصيل خروجه. فالمشهد، بكل ما يحمله من مفارقة، أصبح أكبر من الحادثة نفسها، لأنه وضع صورتين لترامب في مواجهة مباشرة: ترامب الذي يظهر أمام جمهوره على الشاشة بوصفه الرجل الذي لا يتراجع، ولا يخاف، ولا يعترف إلا بالنصر، وترامب الذي يفرض عليه الواقع حسابات مختلفة عندما يصبح التهديد حقيقياً ولا يعود المنشور قادراً على التحكم في مسار الأحداث.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي يصعب تجاوزها. فالرئيس الذي أراد أن يكتب نهاية الحرب بعبارات حاسمة، وأن يقدّم المواجهة مع إيران باعتبارها انتصاراً أميركياً مكتمل الأركان، وجد نفسه محاطاً بأسئلة لا تجيب عنها منصات التواصل، ولا تحسمها العبارات الرنانة، ولا يمكن إخفاؤها خلف صورة المنتصر. لأن الحرب، مهما حاول السياسيون إعادة صياغة صورتها، تترك وراءها وقائع وأثماناً وحسابات أمنية وعسكرية، وتكشف في لحظات معينة ما تعجز الخطب والمنشورات عن تغطيته.

ولعل أكثر ما يلفت، أن ترامب استطاع أن يتحكم في الصورة ما دام هو من يكتبها، لكنه لم يستطع أن يتحكم في الصورة التي صنعها الواقع عندما أصبحت سلامته الشخصية نفسها جزءاً من الحسابات. هناك، بين المنشور والمشهد، وبين خطاب القوة وإجراءات الحماية، وبين إعلان النصر والبحث عن الطريق الأكثر أمناً للخروج، تظهر فجوة تستحق التوقف عندها.

فإذا كان ترامب قد أراد أن يجعل من الحرب على إيران دليلاً على قوته، فإن تفاصيل ما جرى بعد ذلك تفتح سؤالاً مختلفاً تماماً: هل تكفي القدرة على إعلان النصر لإثباته؟ وهل تستطيع الصورة التي تُصنع على الشاشة أن تصمد عندما تبدأ الوقائع بفرض روايتها الخاصة؟

بعد كل ذلك، لا تكمن القصة في شاحنة التموين وحدها، بل في المسافة الهائلة بين الصورة التي يصنعها ترامب لنفسه وبين الأسئلة التي يطرحها الواقع حول القوة الأميركية.

رئيس يريد أن يقنع الأميركيين والعالم بأنه حقق نصراً تاريخياً على إيران، بينما تكشف تفاصيل الحرب أن الولايات المتحدة دفعت أثماناً عسكرية واستراتيجية، وأن إيران بقيت لاعباً حاضراً في المعادلة.

رئيس يريد أن يظهر كرجل لا يخاف، بينما تتحول إجراءات حمايته الشخصية إلى قصة سياسية وإعلامية.

ورئيس يكتب على منصته وكأنه يملك خاتمة الحرب، بينما يبدو أن الحرب نفسها لم تمنحه القدرة على كتابة النهاية التي أرادها.

وهنا السؤال الذي سيبقى يلاحق ترامب:

هل يستطيع رئيس أن يعلن انتصاراً من خلف الشاشة، بعدما احتاج في الواقع إلى الاختباء خلف شاحنة تموين لمغادرة أرض حليف؟

أم أن صورة الشاحنة ستبقى، مهما كثرت المنشورات، أكثر قوة من كل روايات النصر؟

لأن المعركة لا تُحسم بمن يكتب المنشور الأخير... بل بمن يستطيع الوقوف عندما تنتهي المنشورات وتبدأ الحقيقة.

 

/إنتهى/

 
R1694/P
المواضيع ذات الصلة
  • ترامب
  • ترکیا
  • واشنطن
  • CNN (سی ان ان)
tasnim
tasnim
tasnim
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • الأكثر قراءة
  • الأرشيف
مواقع التواصل الاجتماعي
  • RSS
  • Telegram
  • Instagram
  • Twitter

All Content by Tasnim News Agency is licensed under a Creative Commons Attribution 4.0 International License.