وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن جسر لاتيدان التاريخي، المصنف كأطول جسر تاريخي في إيران، يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من حياته، تتمثل في ربط مشاريع ترميمه وصيانته بتنمية السياحة، وإنعاش الصناعات اليدوية، وتعزيز اقتصاد المجتمعات المحلية.
ويمثل هذا الجسر، الذي يعود إلى العصر الصفوي، نموذجاً بارزاً لعظمة الهندسة الإيرانية على سواحل الخليج الفارسي. فقد كان يضم 233 فتحة ويزيد طوله على ألف متر، ويعود تاريخ بنائه إلى أكثر من خمسة قرون. ورغم تسجيله ضمن قائمة الآثار الوطنية عام 1998، فإنه ظل لسنوات طويلة بعيداً عن دائرة الاهتمام، الأمر الذي جعل الحاجة ملحة اليوم لوضع خطة شاملة لإحيائه والاستفادة منه سياحياً وثقافياً، ومنع تفاقم عوامل التآكل التي تهدده.
وفي الجغرافيا التاريخية للخليج الفارسي، لا تمثل بعض المنشآت مجرد بقايا معمارية من الماضي، بل تُجسد شواهد على القوة الحضارية والقدرات الهندسية والمكانة الاستراتيجية لإيران في طرق التجارة الإقليمية. ويأتي جسر لاتيدان في قضاء خُمير ضمن هذه الفئة، إذ كان في الماضي حلقة وصل رئيسية بين الموانئ الجنوبية والهضبة الإيرانية، وأحد أهم مسارات التبادل التجاري في جنوب البلاد.

وخلال السنوات الماضية تعرض الجسر لأضرار متعددة نتيجة السيول الموسمية وعوامل التعرية الطبيعية ونقص التمويل، ما أبرز الحاجة إلى برنامج متكامل للحفاظ عليه وإعادة تأهيله.
ويقع الجسر فوق نهر «كل» بالقرب من بندر خُمير، ويُعرف باسم «لاتيدان» نسبة إلى القرية المجاورة له، كما يُطلق عليه أيضاً اسم «جسر كول». وكان يشكل جزءاً من شبكة الطرق والقوافل التي طورها الصفويون لتنشيط التجارة وتعزيز السيطرة على الطرق التجارية بين إيران والخليج الفارسي.
وقد أولى الصفويون أهمية كبيرة لتطوير الطرق التجارية وتأمينها بهدف تعزيز الاقتصاد الإيراني والاستفادة من التجارة الخارجية. وكان موقع لاتيدان، الواقع على الطريق الرئيسي للقوافل التجارية بين بندر عباس وموانئ الخليج الفارسي الأخرى، يتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة، ما جعل بناء الجسر في هذه المنطقة أمراً ضرورياً لتسهيل حركة القوافل.

أكبر وأبرز جسر صفوي في هرمزغان
ونظراً للأهمية التجارية لموانئ الخليج الفارسي في ذلك العصر، احتاجت الدولة الصفوية إلى إنشاء طرق آمنة ومستقرة تربط الموانئ بالمدن الداخلية، ولعبت الجسور، ومنها جسر لاتيدان، دوراً محورياً في تحقيق هذا الهدف.
كما أسهمت هذه الجسور في تسهيل حركة القوات العسكرية والمعدات، وخاصة للدفاع عن المناطق الساحلية والحدودية في مواجهة التهديدات الخارجية. وأتاحت للقوافل التجارية عبور الأنهار بأمان وسرعة أكبر، خصوصاً خلال فترات ارتفاع منسوب المياه وصعوبة اجتياز المجاري المائية.
وقد شارك في بناء الجسر نخبة من المهندسين والمعماريين في ذلك الزمن، وشُيّد باستخدام الحجارة وملاط الساروج التقليدي، ما جعله واحداً من أبرز الإنجازات المعمارية في العصر الصفوي.
وعند إنشائه كان الجسر يضم 233 فتحة أو عقداً، إلا أن عوامل الزمن والتعرية الطبيعية أدت إلى اندثار أجزاء واسعة منه، ولم يبقَ منه اليوم سوى 33 فتحة.

وجرى تصميم هذه الفتحات الكثيرة لتوفير مزيد من المتانة ولضمان مرور مياه النهر بسهولة أسفل الجسر، بما يحميه من أخطار الفيضانات. وقد صُممت كل فتحة بطريقة تسمح بانسياب المياه وتقليل الضغط على الهيكل الإنشائي.
وتتشابه عمارة جسر لاتيدان إلى حد كبير مع جسور أخرى من العصر الصفوي، ولا سيما تلك المشيدة على الطرق التجارية والاستراتيجية. ويمكن مقارنته من حيث الطراز المعماري بجسر خواجو وجسر الله وردي خان المعروف بـ«سي وسه بُل» في أصفهان.
وتتميز هذه الجسور باستخدام مواد البناء التقليدية كالطوب والحجر وملاط الساروج، فضلاً عن كثرة الأقواس والفتحات المصممة لإدارة تدفق المياه ومنع أضرار السيول، إلى جانب الأقواس نصف الدائرية والبيضوية التي تسهم في توزيع الأحمال وزيادة المتانة.
وعموماً، اشتهرت الجسور الصفوية بجمعها بين الوظيفة العملية والجمال المعماري، ولم يكن جسر لاتيدان استثناءً من هذه القاعدة.

من تحت الطين إلى قائمة الآثار الوطنية
تعرض جسر لاتيدان عبر تاريخه مراراً لفيضانات النهر، وكانت السيول وتغير مجرى المياه من أبرز أسباب تدمير أجزاء واسعة منه. وعلى الرغم من تصميمه الذي راعى عبور المياه بسلاسة أسفل الجسر، فإن الفيضانات الشديدة والمتكررة، ولا سيما في ظل تراجع أعمال الصيانة، أدت إلى تآكل أجزاء كبيرة منه.
كما أسهم تغير مجرى النهر في دفن أجزاء من الجسر تحت طبقات الطين والرواسب، ما جعله يختفي عن الأنظار لسنوات طويلة. غير أن فيضاناً اجتاح الأراضي المحيطة بقرية لاتيدان مطلع تسعينيات القرن الماضي كشف الجسر من تحت التربة المتراكمة عبر قرون، لتبدأ بعد ذلك أعمال البحث والدراسة التي سلطت الضوء على تاريخه ووظائفه.
وفي عام 1998 سُجل الجسر رسمياً ضمن قائمة الآثار الوطنية الإيرانية تحت الرقم 2005.
وخلال أعوام 2010-2020، نفذت المديرية العامة للتراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في هرمزغان دراسات وأعمال تدعيم وترميم لأجزاء من الجسر. إلا أن نقص الاعتمادات المالية حال دون استمرار عمليات الصيانة لاحقاً.
وفي الوقت الراهن، وبمتابعة من المديرية العامة للتراث الثقافي في هرمزغان، انطلقت خطة شاملة لإحياء وترميم جسر لاتيدان التاريخي، بدعم من محافظ هرمزغان وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي، وبمشاركة الصناعات العاملة في غرب المحافظة، في خطوة تهدف إلى إعادة هذا المعلم التاريخي إلى مكانته التي يستحقها.
/انتهى/