وبحسب قراءات سياسية، فإن الرياض لا تتحرك بقرار مستقل، وأن هذا التصعيد يأتي في سياق إملاءات أمريكية وإسرائيلية. وتوّج التصعيد بجريمة استهداف السجن المركزي في مدينة الحزم بمحافظة الجوف، التي أوقعت عددا كبيرا من الضحايا، بينهم نساء وأطفال كانوا في زيارة لذويهم، في مشهد يعيد إلى الواجهة سجل الجرائم السعودية بحق السجون والإصلاحيات والمنشآت المدنية خلال سنوات الحرب الماضية.
.
ولم يتأخر الرد اليمني، حيث أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، في بيان عسكري، تنفيذ عملية عسكرية نوعية وواسعة، مؤكدا أن الشعب اليمني يتعرض منذ اثني عشر عاما للعدوان والحصار السعودي. وأوضح سريع أن العدو السعودي شن خلال الأيام الثلاثة الماضية 121 غارة جوية، انطلقت من قاعدتي الملك خالد الجوية في خميس مشيط والملك فهد الجوية في الطائف، واستهدفت محافظات مأرب والبيضاء والحديدة وتعز والجوف، معتبرا أن هذه الغارات تأتي في إطار تصعيد كبير وشامل، وتهدف إلى احتلال اليمن وقتل شعبه خدمة للولايات المتحدة وإسرائيل.

وأشار المتحدث العسكري إلى أن القوات المسلحة اليمنية نفذت، في إطار الرد على العدوان ومواجهة التصعيد بالتصعيد، عملية عسكرية نوعية وواسعة استهدفت شركة أرامكو في أبها ونجران، والمدينة الاقتصادية، وأرامكو في جيزان، إلى جانب قاعدة خميس مشيط الجوية، بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. وأكد أن الإصابات كانت دقيقة ومباشرة، وأن العملية تسببت في أضرار كبيرة في المنشآت المستهدفة.

وحمّل سريع السعودية مسؤولية التصعيد، مؤكدا أن كل اعتداء على اليمن وشعبه سيقابل برد حازم، وأن القوات المسلحة لن تتردد في توجيه ضربات أشد وأوسع. كما شدد على أن التحركات والاعتداءات والتحشيدات السعودية لن ترهب اليمن أو تثني الشعب اليمني عن مواجهة العدوان، مؤكدا استمرار العمليات باتجاه العمق السعودي واستهداف التحشيدات العسكرية، وتثبيت معادلة الحصار بالحصار، حتى وقف العدوان ورفع الحصار عن اليمن.

وتعليقا على التطورات، أكد الخبير العسكري والمحلل الاستراتيجي، اللواء خالد غراب، في تصريح خاص لوكالة تسنيم، أن دخول الجانب السعودي خط المواجهة المباشرة عبر شن غارات جوية يمثل تكشيفا لموقفه الميداني، بعد تعرض قواته وحلفائه لضربات استباقية. وأوضح أن تلك الضربات أدت إلى تدمير خطوط الإمداد والمخازن الرئيسية والثانوية، فضلا عن تحييد عدد من القوات العسكرية.

وأضاف اللواء غراب أن الغارات الجوية السعودية أسفرت عن سقوط ضحايا في صفوف المدنيين وتدمير أعيان مدنية، مشيرا إلى أن هذا الأسلوب يعكس نمطا تكتيكيا يهدف إلى إحداث حالة من الصدمة والترهيب، ومستشهدا بمسارات عسكرية سابقة شهدتها المنطقة.
وحول الرد الميداني المرتقب، أوضح اللواء غراب أن المعطيات الأولية تشير إلى استهداف عدة مناطق ومواقع حيوية في المحافظات الجنوبية السعودية، من بينها أبها وخميس مشيط وعسير وجيزان. ولفت إلى أن التركيز العسكري ينصب على المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية المرتبطة بقطاع الطاقة والنفط، ومنها شركة أرامكو والمصافي التابعة لها، بانتظار ما سيعلنه البيان العسكري الرسمي من تفاصيل.
واختتم اللواء غراب تصريحه بالإشارة إلى أن المسار العسكري للتصعيد بين الطرفين بات مفتوحا على كافة الاحتمالات، مؤكدا أن تنامي القدرات العسكرية والتكتيكية الميدانية سيجعل تكلفة التصعيد الاستراتيجي عالية جدا على الجانب السعودي، ما لم يتجه نحو خيارات التهدئة والبحث عن مخرج سياسي.

من جهته أفاد الخبير الاستراتيجي والمحلل العسكري، العميد عابد محمد الثور في تصريح خاص لوكالة تسنيم، بأن التصعيد العسكري الأخير يأتي بتوجيهات أمريكية وإسرائيلية متزامنة مع العدوان على غزة ولبنان واستهداف السفن الإيرانية، مؤكدا أن اليمن ينفذ ردودا عسكرية متناسبة، وضعت القوات السعودية في موقف عاجز عن إغلاق المعركة بعد فتحها.

وأوضح العميد الثور أن النظام السعودي يواصل سجله في استهداف الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي، كالمراكز الطبية والسجون وغيرها من المنشآت المدنية، وكان آخرها قصف إصلاحية النزلاء في محافظة الجوف، الذي أسفر عن سقوط ضحايا من النساء والأطفال أثناء زيارتهم لذويهم. وأشار إلى أن هذا القصف جاء كرد انتقامي عقب عملية عسكرية يمنية نوعية استهدفت رتلا عسكريا وقاطرات محملة بالأسلحة كانت متجهة من الوديعة إلى مأرب.
وأضاف المحلل العسكري أن التحركات العسكرية للجانب السعودي، بما فيها محاولات فتح جبهات جديدة لتشتيت القوات في تعز والكدحة ومناطق التماس المباشر، تأتي ضمن إملاءات خارجية، ولا تعبر، بحسب تقديره، عن قدرة مستقلة على المواجهة المباشرة. وشدد على جاهزية القوات المسلحة اليمنية واستراتيجية انتشارها، بما يمكنها من خوض مواجهة طويلة الأجل.
واختتم العميد عابد الثور تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدا متزايدا وردا متناسبا، مع توسيع بنك الأهداف ليشمل المنشآت العسكرية والسياسية، إضافة إلى شركات البترول والقطاعات النفطية الحيوية، بهدف استنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية للطرف الآخر وصولا إلى إيقاف الحرب.
/إنتهي/