وكالة تسنيم الدولية للانباء:
أدت التطورات العسكرية الأخيرة إلى دخول العالم -الذي ظل يُعرّف في إطار مفاهيم الردع التقليدية على مدى ثلاثة عقود بعد الحرب الباردة- مرحلة جديدة. فقد أرسلت روسيا رسالة واضحة حول قدراتها الاستراتيجية من خلال اختبار صاروخ كروز ذي دفع نووي بعيد المدى؛ في حين استهدفت أوكرانيا الأراضي الروسية بالاعتماد على الأسلحة الأمريكية طويلة المدى مثل منظومة الصواريخ الباليستية التكتيكية (ATACMS)، مما أدخل مفهوم "الخطوط الحمراء" في الصراع الأوكراني مرحلة حرجة.
يكشف التحليل الحالي كيف يكمل هذان الحدثان بعضهما البعض، أحدهما يعبر عن تحول موازين القوة لصالح روسيا، والآخر يعكس تزايد الدور الأمريكي المباشر في الحرب.
ترسم هذه التطورات مجتمعة صورة لمواجهة مباشرة بين القوى العظمى .. انها مواجهة رغم أن الولايات المتحدة وروسيا تزعمان تجنبها، إلا أن المسار الميداني والحسابات الاستراتيجية يظهران مساراً مختلفاً.
بوروستنيك: عرض القوة الاستراتيجية الجديدة لموسكو
كشف روسيا النقاب عن "بوروستنيك" - الصاروخ الكروز ذي الدفع النووي - ليس مجرد اختبار فني وحسب؛ بل يحمل رسالة عميقة حول القدرة التكنولوجية المستقلة والمتطورة لروسيا. المحرك النووي لهذا الصاروخ، على عكس محركات الدفع التقليدية الغربية، لا يخلق قيوداً على زمن الطيران؛ ولهذا تتحدث روسيا عن "مدى غير محدود". هذه القدرة تتحدى هيكلية الدفاع الصاروخي التقليدية لحلف الناتو، حيث يمكن لمثل هذا النظام أن يتحرك على مسارات غير قابلة للتوقع ولفترات طويلة على ارتفاعات منخفضة؛ وهي مسألة تجعل اكتشافه واعتراضه وتدميره في غاية الصعوبة.
فقد تم تصميم أنظمة الدفاع الغربية في الأساس لمواجهة الصواريخ الباليستية أو الكروز الكلاسيكية، لكن الصاروخ ذي قدرة الطيران اللامحدود، والمسارات المتغيرة، والبصمة الرادارية المختلفة، يكشف عن نقطة ضعف دفاعية في حلف الناتو.
هذه هي الرسالة التي أرادت موسكو إيصالها إلى الغرب، إذا أصرت الولايات المتحدة على مواصلة الحرب بالوكالة وتجهيز أوكرانيا، فإن روسيا قد أعدت الأدوات الاستراتيجية المناسبة وحتى المتفوقة. دخول هذا النوع من الأسلحة، يدفع بنظام الردع النووي -القائم على التوازن الثلاثي (الولايات المتحدة - روسيا - الناتو)- إلى مرحلة جديدة.
يمنح "بوروستنيك" روسيا القدرة على استهداف أهداف بعيدة في الولايات المتحدة وأوروبا عبر مسارات غير متوقعة، وتجاوز أنظمة الدفاع الغربية المتعددة الطبقات، وخلق ضغط نفسي وسياسي على صانعي القرار الغربيين. هذا التطور يدل على التفوق التكنولوجي الروسي في مجال لم يتمكن الغرب من الوصول إليه لسنوات.
هجوم أوكرانيا بالصواريخ الباليستية التكتيكية على الأراضي الروسي ... تجاوز للخط الأحمر الروسي
على الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين يحاولون عادةً إظهار دورهم في الهجمات داخل روسيا بشكل غامض، إلا أن الحقيقة هي أنه بدون التدريب الأمريكي، والبيانات الاستخباراتية، وإزالة القيود البرمجية، والدعم العملياتي من الولايات المتحدة، لما تمكنت أوكرانيا من استخدام صواريخ (ATACMS) ضد الأراضي الروسية. هذا الهجوم ليس إجراءً مستقلاً من كييف، بل هو جزء من استراتيجية واشنطن للضغط المتدرج على روسيا.
لقد حذرت روسيا مراراً من ضرب عمقها الإقليمي، هجمات الـ ATACMS قد تدفع روسيا إلى تصعيد الهجمات ضد البنى التحتية الحيوية الأوكرانية، أو خلق ردود فعل عسكرية تتجاوز جبهة أوكرانيا، أو اتخاذ إجراءات غير متماثلة ضد المصالح الأمريكية. ففي المصفوفة الأمنية الروسية، يعادل الهجوم على أراضيها بأسلحة غربية، خفض عتبة الردود الصلبة.
ولاستخدام الأسلحة الأمريكية لمهاجمة الأراضي الروسية عدة عواقب، خاصة عندما يتزامن مع الكشف عن الاستراتيجيات الجديدة لموسكو، وهي :
توسيع ساحة المعركة داخل حدود أوكرانيا، زيادة تعقيد السيطرة على الأزمة، خطر تدخل الناتو برودود فعل رمزية أو عملية، وأخيراً زيادة احتمالية المواجهة المباشرة بين واشنطن وموسكو.
ربط الحدثين: الرسالة الاستراتيجية الروسية إلى واشنطن وأوروبا
ان مزيج الحدثين - اي اختبار "بوروستنيك" والهجمات بالصواريخ التكتيكية الأمريكية - يظهر أن:
أ) روسيا تذكّر الغرب على المستوى الاستراتيجي بأن لديها قدرة تطبيق قوة متنوعة وطويلة الأمد.
ب) الولايات المتحدة، من خلال تشجيع أوكرانيا على مهاجمة داخل روسيا، نقلت الحرب فعلياً من مستوى "الحرب بالوكالة" إلى مستوى "المواجهة المباشرة بواسطة وسيط".
ج) توازن الردع في أوروبا يشهد تغييراً جوهرياً.
السيناريوهات المستقبلية
تحاول روسيا، من خلال مواصلة اختباراتها الاستراتيجية وردودها المحدودة لكن المحسوبة على هجمات أوكرانيا، إيصال رسالة "تكلفة المواجهة" إلى الغرب.
سيناريو توسع الحرب جغرافياً: إذا استمرت هجمات الـ ATACMS، فإن احتمالية رد فعل موسكو الأكثر حدة تزداد وذلك يؤدي إلى توسيع الحرب إلى مناطق خارج الخطوط الحالية.
سيناريو المواجهة الهيكلية الأمريكية - الروسية: مزيج الضغط العسكري الأمريكي والردع الروسي المتقدم يزيد من احتمالية الانزلاق نحو مواجهة مباشرة، حتى لو كان الطرفان يظهران أنهما لا يرغبان في ذلك ظاهرياً.
في الختام، يمكن القول إن روسيا أظهرت قدرتها على تغيير قواعد اللعبة الاستراتيجية، والولايات المتحدة أظهرت من خلال سلوكها السياسي أنها تتخذ خطوات نحو تصعيد الحرب وإن كان يتم إنكار هذا المسار ظاهرياً.
ان توازن القوى في أوروبا يشهد الان تحولاً، والغرب يواجه خياراً مهماً، فاما أن يواصل مسار التصعيد غير المنضبط، أو أن يقبل بالدور الجديد لروسيا في النظام الأمني العالمي، ويتجه نحو هيكلية جديدة للاستقرار ومعادلة ردع جديدة.
/انتهى/