أمل شبيب
المعركة، التي لا تزال مشتعلة على أرض الجنوب، ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، إنها مختبر لتطوير قدرات المقاومة، ومرآة تعكس تحولات عميقة في بنية المجتمع اللبناني، وفي طبيعة العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري داخل الكيان الصهيوني، وفي قدرة المقاومة على إدارة الزمن والمواجهة بذكاء وإبداع لم يتوقعه أحد.
عشر مفاجآت أنجزها حزب الله في هذه المعركة المستمرة، تكشف عن نضوج غير مسبوق في قدرات المقاومة، وعن إبداع في التعامل مع تحديات لم تكن موجودة في حروب سابقة.
المفاجأة الأولى: المجتمع اللبناني وبيئة المقاومة، الانهيار الاقتصادي لم يضعف الحاضنة، بل يكشف عن تماسك يفوق قدرة الدولة.
توقعات العدو كانت تقوم على فرضية بسيطة: الانهيار الاقتصادي الخانق الذي يعيشه لبنان سيدفع المجتمع اللبناني إلى التمرد على المقاومة، وسيجعل الحاضنة الشعبية تبتعد عن حزب الله، وسيخلق حالة من الاستنزاف الداخلي تضعف قدرة الحزب على خوض حرب طويلة، لكن الواقع يظهر العكس تماماً.
فالمجتمع اللبناني، وخصوصاً بيئة المقاومة في الجنوب والضاحية والبقاع، يُظهر قدرة مذهلة على التماسك. لم ينهار، بل يزداد تلاحماً. لم يتراجع، بل يتقدم. لم يطلب من المقاومة أن توقف الحرب، بل يقف خلفها بقوة لم يتوقعها أحد.
هذه المفاجأة ليست وليدة الصدفة. إنها نتيجة لإستثمار طويل الأمد في بناء شبكة اجتماعية وثقافية وسياسية قادرة على تحمل أعتى الأزمات، ونتيجة لفهم عميق بأن الحاضنة الشعبية لا تُبنى بالمال فقط، بل بالقناعة، وبالعدالة، وبالشعور بأن المقاومة تمثل الجميع، وليس طرفاً واحداً.

المفاجأة الثانية: هشاشة المجتمع الإسرائيلي والفجوة بين السياسي والعسكري، من "جيش لا يُقهر" إلى مجتمع ينهار من الداخل
راهن قادة الكيان الصهيوني على أن مجتمعهم، الذي صمد في حروب سابقة، سيكون قادراً على تحمل حرب طويلة، وراهنوا أيضاً على أن الحكومة اليمينية المتطرفة ستنجح في تسويق استراتيجية "الحسم السريع" للشارع الإسرائيلي. لكن الواقع يختلف، فالحراك الداخلي يعود إلى الواجهة بقوة. احتجاجات العائلات، وصراعات السياسيين، والخلافات حول أهداف الحرب، كلها تعود بقوة أكبر مما كانت عليه، فهذا "المجتمع الإسرائيلي"، الذي راهن عليه قادته، يُظهر هشاشة غير مسبوقة.
والأخطر من ذلك: الفجوة التي تتسع بين المستوى السياسي (الحكومة اليمينية) والمستوى العسكري (جيش الاحتلال) لم تكن موجودة في بداية الحرب، لكنها الآن أكثر وضوحاً، وأكثر إيلاماً للكيان.
أما المستوى السياسي فيريد حرباً طويلة تصل إلى "النصر المطلق". المستوى العسكري يعرف أن هذا النصر غير ممكن، وأن الثمن سيكون باهظاً. هذه الفجوة لم تعد خافية على أحد، وهي تهدد بتمزيق النسيج الداخلي للكيان من الداخل قبل أن تهدده المقاومة من الخارج.
المفاجأة الثالثة: مبادرة حزب الله إلى الانخراط المباشر من إطار تقليدي إلى فضاء إقليمي أوسع
في الحروب السابقة، كانت المواجهة تدور في إطار تقليدي سواء في إيران أو حزب الله، لكن هذه المرة إختار حزب الله أن يخرج عن هذا الإطار.
مبادرة حزب الله إلى الانخراط المباشر في الحرب، وعدم الانتظار حتى تأتي المعركة إلى بيته، غيّرت كل المعادلات. لم تعد الحرب حرباً لبنانية-إسرائيلية، بل أصبحت حرباً إقليمية بامتياز. جبهات متعددة، أطراف متنوعة، وحرب استنزاف مفتوحة لا تعرف حدوداً.
هذه المبادرة ترتبك العدو. تخرجه من منطقة راحته، وتجبره على القتال على جبهات لم يكن مستعداً لها، وفي توقيت لم يختره.

المفاجأة الرابعة: كسر العقيدة الأمنية الإسرائيلية المستجدة: الحرب الخاطفة تصطدم بجدار الصمود
بعد حرب تموز 2006، طور الكيان الصهيوني عقيدة أمنية جديدة تقوم على "الحسم السريع" و"الحرب الخاطفة".
الفكرة بسيطة: ضرب ما يعتبره "عدواً" بقوة هائلة في وقت قصير جداً، بحيث لا يملك فرصة للرد أو التنفس، ثم الانسحاب قبل أن تتحول الحرب إلى مستنقع.
لكن ما يجري في معركة "العصف المأكول"، يظهر أن حزب الله يكسر هذه العقيدة، وأظهرت أن المقاومة لا تسقط تحت وطأة الضربات الأولى. قيادتها لا تنهار، قدراتها لا تستنزف، تستمر في القتال، تستمر في إطلاق الصواريخ، تستمر في استهداف جنود العدو. الحرب التي ظن الصهاينة أنها ستنتهي في أيام، تتحول إلى أسابيع، ثم إلى أشهر، وهي لا تزال مستمرة.
وهذا كله يدل على أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية المستجدة لم تعد صالحة للإستخدام، والعودة إلى عقيدة الحروب الطويلة أمر لا يستطيع "المجتمع الإسرائيلي" الهش تحمله.
المفاجأة الخامسة: منظومة القيادة والسيطرة لدى حزب الله: قيادة بجهوزية أعلى وقدرة على المبادرة
في الحروب السابقة، كان الجانب الإسرائيلي يعتقد أن استهداف القيادات العسكرية لحزب الله سيشل حركته، ويوقف قدرته على اتخاذ القرارات السريعة، لكن في هذه الحرب يظهر حزب الله للجانب الإسرائيلي مستوى قيادي لديه يتمتع بجهوزية أعلى، وقدرة أكبر على الاستمرار والمبادرة، أي أن منظومة القيادة والسيطرة لا تنهار، بل تزداد صلابة، والقرارات تُتخذ بسرعة، وتُنفذ بدقة، وتُعدل بحسب تطورات الميدان.
هذا المستوى من القيادة يفاجئ العدو بعد أن كان يتوقع أن يجد فراغاً بعد كل اغتيال، لكنه يجد بديلاً جاهزاً، كان يتوقع أن يجد ارتباكاً، لكنه يجد تنظيماً محكماً، كان يتوقع أن يجد تردداً، لكنه يجد مبادرة.
المفاجأة السادسة: حجم الإمكانات والقدرات العسكرية لحزب الله: استمرارية في الإشعال لفترات طويلة
توقع العدو الإسرائيلي أن ترسانة حزب الله من الصواريخ والمسيّرات ستستنزف في الأسابيع الأولى من الحرب، وأن الحزب سيجد نفسه عاجزاً عن مواصلة إشعال الجبهة، لكن المفاجأة كبيرة، فها هو حجم الإمكانات والقدرات العسكرية التي يملكها حزب الله يتيح له الاستمرار في إشعال الجبهة لفترات طويلة. صواريخ دقيقة، مسيّرات متطورة، قدرات مضادة للدروع، منظومات دفاع جوي، كلها حاضرة ومستمرة رغم كثافة الضربات الإسرائيلية، وهذا يعني أن العدو وقع في خطأ تقديري فادح بعدما ظن أن الحرب ستكون قصيرة لأن قدرات الحزب محدودة، واكتشف أنها طويلة لأن قدرات الحزب أكبر مما كان يتصور.

المفاجأة السابعة: النظام الذي يُدير المنظومة العسكرية لحزب الله: عمليات تقييم وتطوير عالية الكفاءة والدقة
ما يفسر الأداء الميداني العالي والنتائج المحققة على الجبهة ليس فقط كثرة الأسلحة، بل النظام الذي يُديرها. حزب الله يُظهر مستوى من الاحترافية في إدارة المنظومة العسكرية لم يتوقعه أحد. فعمليات التقييم والتطوير تبدو عالية الكفاءة والدقة. كل ضربة إسرائيلية تُقيّم، وتُستخلص الدروس منها، وتُعدل التكتيكات بناء عليها. كل خطأ يُصحح، وكل ثغرة تُسد.
هذا النظام هو ما يجعل المقاومة تتعلم من تجاربها بسرعة، وتتطور في خضم المعركة، وتفاجئ العدو باستمرار بقدرتها على التكيف.
المفاجأة الثامنة: حجم الإخفاقات لدى الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية...تقديرات خاطئة في مرحلة ما بعد الحرب السابقة
بعد حرب تموز 2006، استثمر الكيان الإسرائيلي مبالغ طائلة في تطوير أجهزته الاستخباراتية، وفي جمع المعلومات عن قدرات حزب الله ونواياه. كان الجميع يعتقد أن هذه الأجهزة أصبحت أكثر دقة، وأنها قادرة على تقديم صورة حقيقية عما يخطط له الحزب.
لكن معركة "العصف المأكول" اليوم تكشف حجم الإخفاقات الكارثية لهذه الأجهزة.
ففي تقدير قدرات حزب الله، تخطئ الاستخبارات الإسرائيلية.، وفي تقدير إمكاناته، تخطئ، وفي تقدير نواياه في المرحلة التي أعقبت الحرب السابقة، تخطئ أيضاً.
هذه الإخفاقات ليست تقنية فقط، بل هي إخفاقات في الفهم، وفي التحليل، وفي القدرة على قراءة الخصم. العدو يقرأ المقاومة من زاوية واحدة، ولكنه يكتشف أنها أكثر تعقيداً مما تصور.
المفاجأة التاسعة: قدرة حزب الله على تفكيك أشكال متعددة من الحرب...تحييد خطر الانزلاق إلى حرب أهلية
منن البداية، راهن العدو على أن الحرب المفتوحة على جبهة الجنوب ستؤدي إلى انزلاق لبنان إلى حرب أهلية. كان يأمل أن الانقسام السياسي الحاد داخل لبنان سينفجر تحت وطأة الضربات الإسرائيلية، وأن حزب الله سيجد نفسه مشغولاً بمواجهة خصومه الداخليين بدلاً من مواجهة العدو.
لكن هذه المفاجأة لم تتحقق للعدو، بل تتحقق للمقاومة.
يُظهر حزب الله قدرة فائقة على تفكيك أشكال متعددة من الحرب التي تُشن ضده. وعلى رأسها، تحييد خطر الانزلاق إلى حرب أهلية. رغم الانقسام السياسي الحاد، يظل الحزب قادراً على إدارة العلاقة مع الأطراف اللبنانية الأخرى بحكمة وتبصر، وعدم إعطاء العدو الفرصة لتحقيق أهدافه.
وكل هذا يرتبط بشكل أساسي بعامل الردع الذي يمثله الحزب، ليس الردع العسكري فقط، بل الردع السياسي والاجتماعي.

المفاجأة العاشرة: التحول في مفهوم القوة في المنطقة...القوة لم تعد حكراً على الدولة والجيش
ربما هذه هي المفاجأة الأعمق، والأكثر تأثيراً على المدى البعيد. قبل هذه المعركة، كان مفهوم القوة في المنطقة مرتبطاً بالدولة وبالجيش، من يملك دولة قوية وجيشاً قوياً هو القوي، والآخرون، مهما كانوا، هم أقل قوة.
غير أن معركة "العصف المأكول" المستمرة غيّرت هذا المفهوم.
فاليوم، لم تعد القوة حكراً على الدولة والجيش، بل باتت مرتبطة بالقدرة على الصمود، والقدرة على إدارة المجتمع تحت الضغط، والقدرة على إدارة الزمن لصالحك، والقدرة على تحويل التهديدات إلى فرص، والقدرة على البقاء والإصرار.
وهنا حزب الله، وهو ليس دولة ولا جيشاً تقليدياً، يثبت أنه قوة حقيقية في المنطقة، ليس لأنه يملك صواريخ، بل لأنه يملك نموذجاً جديداً للقوة: نموذج المقاومة القادر على الصمود، والإبداع، والتكيف، والاستمرار.
هذا النموذج، الذي يظهر في لبنان اليوم أصبح قابلاً للتصدير إلى مناطق أخرى، ويشكل مصدر إلهام لحركات مقاومة جديدة في أماكن مختلفة من العالم.
من هذه المفاجآت العشر التي تقدمها المقاومة في معركة "العصف المأكول"، يمكن القول أن
أولاً: القوة الحقيقية لا تُمنح، بل تُصنع، ولا تُصنع بالقوانين والموازنات فقط، بل بالإرادة والقدرة على الصمود وإدارة الأزمات.
ثانياً: العدو، رغم كل إمكاناته، يبقى أعمى حين لا يفهم طبيعة خصمه، والمقاومة التي تعرف كيف تخفي قدراتها ونواياها تبقى مصدر مفاجآت لا تنتهي.
ثالثاً:لا تموت المقاومة بموت قادتها، فهذه مقاومة تُبنى على نظام، وليس على أشخاص، لذا تبقى حية حتى لو سقط كل قادتها.
رابعاً:السلاح وحده لا يصنع النصر.، النصر يُصنع بنظام قادر على التعلم، والتطوير، والتكيف مع تطورات الميدان.
خامساً: أقوى أنواع الردع ليس ما يمنع العدو من الهجوم فقط، بل ما يمنع الأصدقاء والخصوم على السواء من اتخاذ مواقف تخدم العدو.
سادساً:من يبادر يمتلك زمام المبادرة، ومن يمتلك زمام المبادرة يتحكم في إيقاع الحرب ونتائجها.
سابعاً: عدو المقاومة ليس مجرد جيش، بل مجتمع هش يمكن استنزافه من الداخل، وليس هناك أضمن من ترك العدو ينهي نفسه بنفسه.
حتى اليوم لا تزال معركة "العصف المأكول" مشتعلة، وما نراه اليوم ليس سوى مشاهد من ملحمة مستمرة، تتكشف فيها قدرات المقاومة يوماً بعد يوم، وتتساقط فيها أوهام العدو واحدة تلو الأخرى.
في هذه المعركة، تثبت المقاومة أنها ليست فقط قادرة على الصمود، بل قادرة على الإبداع والتطوير والتكيف. ويثبت المجتمع اللبناني، رغم كل أزماته، أنه قادر على التماسك والوقوف خلف خيار المقاومة، في المقابل يثبت العدو الإسرائيلي، رغم كل تفوقه العسكري والتكنولوجي، أنه يظل هشاً من الداخل، وممزقاً بين أهدافه السياسية وقدراته العسكرية.
وكل هذه المفاجآت وما سيأتي بعدها، ليست مجرد أحداث عابرة، إنها علامات فارقة في تاريخ الصراع مع هذا العدو ومؤشرات على تحولات عميقة في ميزان القوى في المنطقة...إنها بشائر نصر قادم بإذن الله.
وما زالت المعركة مستمرة.. والمفاجآت لم تنته بعد.
/إنتهي/