.
من بين ركام المساجد وأتربة الدمار، يلتقط الحاج رأفت جبر ما تبقى من مصاحف نالت منها القذائف. بعد أن دمرت الحرب محله الكبير، نقل رسالته إلى كشك صغير على رصيف الطريق، محولاً إياه إلى ورشة لإعادة الحياة لكلام الله. هنا، يرى الحاج رأفت في هذا الورق الممزق إرثاً مقدساً يستحق الصبر والمثابرة ليبقى صامداً في وجه المحو.

بإمكانيات تكاد تنعدم وأدوات بدائية للغاية، يعكف هذا الرجل الستيني منذ ثلاثين عاماً على ترميم المصاحف بجهود استثنائية. يستخدم الصمغ والورق البسيط لجبر الكسور في أغلفة المصاحف وترتيب صفحاتها المبعثرة؛ حيث تتغلب خبرته الطويلة على شح المواد، متحدياً ضيق المكان وقسوة الظروف لخدمة المساجد التي فقدت مقتنياتها الأثرية.

يمثل هذا الكشك الصغير رمزاً للإصرار الفلسطيني على الحفاظ على الهوية والعقيدة. فرغم فقدان الحاج رأفت لمصدر رزقه الأساسي، إلا أنه يجد في ترميم المصحف ترميماً للروح وجبراً لخاطر المدينة المكلومة. هي رسالة صامتة تقول إن ما دمره الرصاص، تعيد الأيدي المؤمنة بناءه بالحب والوفاء، ورقة بعد ورقة.

***
***
على هذا الرصيف الضيق، يتجاوز الترميم حدود الحرفة اليدوية ليصبح فعل مقاومة ضد النسيان. فمن كشكه البسيط، يحمي الحاج رأفت جبر ذاكرة المدينة الروحية، مؤكداً أن كلام الله المحفوظ في الصدور، سيبقى محفوظاً في السطور مهما بلغ حجم الدمار.
/انتهى/