ففي ظل استمرار وتصاعد العمليات النوعية لحزب الله ضد الصهاينة، والتي توقع بهم خسائر فادحة لا يمكن إنكارها، وقد زادت هذه الخسائر بشكل ملحوظ خلال الأيام الماضية، فإن وسائل الإعلام والمسؤولين الصهاينة، الذين لا يستطيعون إنكار خسائرهم حتى في ظل الرقابة العسكرية المشددة، أعلنوا أن إسرائيل تعيش، منذ بدء وقف إطلاق النار، أصعب أيامها على الجبهة الشمالية، وأن الوضع الأمني في غاية السوء والهشاشة في ظل استمرار هجمات حزب الله.
إسرائيل تغرق في مستنقع عميق
في هذا السياق، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن الدكتور مايكل ميلشتاين، الباحث في مركز دايان بجامعة تل أبيب، قوله: "اليوم، تجد إسرائيل نفسها تغرق في مستنقع أعمق. نحن نخوض حربًا محبطة، ونتكبد خسائر لا يمكن تعويضها باحتلال متر إضافي من أراضي جنوب لبنان أو بعملية اغتيال إضافية، وأيدينا مقيدة فيما يتعلق بأي هجمات شمال نهر الليطاني".
بينما تتناقل وسائل الإعلام العبرية أنباءًا عن عدة حوادث خطيرة جديدة في شمال فلسطين المحتلة أسفرت عن مقتل وجرح عدد من الصهاينة، أفادت قناة "i24 نيوز" التابعة للكيان المحتل بأن العمل في المستوطنات الشمالية توقف بسبب تصاعد هجمات حزب الله، كما صدرت أوامر لمستشفى نهاريا بفتح مجمع تحت الأرض، وأغلقت الشواطئ على الحدود مع لبنان بشكل كامل.
المستوطنات الشمالية تعيش أيامها الأصعب
في الوقت نفسه، وصفت وسائل إعلام إسرائيلية الوضع الحالي بأنه الأعنف والأصعب منذ بدء وقف إطلاق النار، سواء على الحدود الشمالية أو بالنسبة للجنود الصهاينة في جنوب لبنان، وأعلنت أن حزب الله أطلق خلال الـ24 ساعة الماضية أكثر من 26 طائرة مسيّرة مفخخة باتجاه قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
كما أفادت تقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن صافرات الإنذار تدوي في الشمال بشكل متكرر، بمعدل مرة كل 22 دقيقة في المتوسط، وسط عشرات التحذيرات وإطلاق متواصل للصواريخ باتجاه الجليل.
ونشرت هذه الوسائل مشاهد مفعمة بالرعب من الحياة اليومية على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، وأعلنت أن ليالي وأيام سكان المستوطنات الشمالية مليئة بالقلق والأرق، وذلك لأن صافرات الإنذار تدوي باستمرار وتُسمع أصوات انفجارات متعددة، مما يضطر المستوطنين إلى الفرار إلى الملاجئ.
جحيم الشمال بين إنذارات متواصلة وإطلاق صواريخ مستمر
في غضون ذلك، شن دافيد أزولاي، رئيس ما يسمى بالمجلس الإقليمي لمستوطنة المطلة، هجومًا حادًا على حكومة الكيان الصهيوني برئاسة بنيامين نتنياهو، قائلاً: "وضع سكان الجبهة الشمالية والخط الأمامي لا يمكن تصوره ولا يمكن تحمله، فالليالي هنا مليئة بالرعب، وتدوي صافرات الإنذار، ويركض المستوطنون بحثًا عن ملاجئ، ويبدو أن هذه الأمور لا تهم حكومة إسرائيل على الإطلاق، لكن لا يمكن تطبيع هذا الواقع الجنوني".
كما أفادت القناة 12 التلفزيونية التابعة للكيان الصهيوني: "المستوطنات الشمالية تعيش أيامها الأصعب والأعنف، وتدوي صافرات الإنذار عشرات المرات، ونشهد إطلاقًا متواصلًا للصواريخ، ومنذ ظهر أمس وحتى ساعات الليل المتأخرة، كانت التحذيرات المستمرة تسمع في المستوطنات الشمالية، واستمر إطلاق الصواريخ من لبنان بلا توقف".
وأعلنت مصادر عبرية: "دوت صافرات الإنذار في أكثر من 30 مكانًا مختلفًا، وكان أمس واحدًا من أصعب الأيام وأكثرها ازدحامًا منذ تطبيق ما يسمى بوقف إطلاق النار، وفي ظل هذه التوترات الأمنية، يقضي سكان الشمال عطلة نهاية أسبوع سيئة للغاية، ولا يمكن للحياة الطبيعية أن تستمر في الشمال، خاصة في المستوطنات الواقعة على خط المواجهة القريبة من الحدود".
وأكدت هذه الوسائل أن طائرات حزب الله المسيّرة تحولت إلى كابوس كبير، بل إنها أكثر رعبًا من الصواريخ، فهي تهبط حيثما تشاء وتخلق موجة هائلة من الذعر.
كريات شمونة؛ مدينة الأشباح التي تعكس الأوضاع المضطربة في الشمال
في غضون ذلك، فإن حالة مستوطنة كريات شمونة، التي تحولت -باعتراف الصهاينة أنفسهم- إلى مدينة أشباح، يمكن أن تقدم صورة شاملة عن الظروف المأساوية للمحتلين في شمال فلسطين المحتلة.
وتفيد مصادر عبرية أنه مع كل جولة جديدة من التصعيد، تجد كريات شمونة نفسها مرة أخرى في مرمى النيران. فبينما تنشغل حكومة إسرائيل بإدارة التداعيات الأمنية والعسكرية لهذه المواجهة، يكشف الواقع الميداني عن أزمة أعمق اجتاحت هذه المستوطنة -التي تبعد بضعة كيلومترات فقط عن الحدود اللبنانية- ولا تزال تعاني من عواقب التشرد، وتراجع النشاط الاقتصادي، وعدم رغبة آلاف السكان في العودة.
هذا الوضع يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة الحكومة الإسرائيلية على تحقيق أحد أبرز أهدافها المعلنة، وهو إعادة الوضع الطبيعي إلى الجبهة الشمالية، وقد تحولت هذه الأزمة إلى اختبار سياسي حقيقي لحكومة بنيامين نتنياهو.
كما تثير الظروف المأساوية لمستوطنة كريات شمونة تساؤلات متزايدة بين الصهاينة أنفسهم حول فعالية السياسات المتبعة على الجبهة اللبنانية، وقدرة الحكومة على استعادة ثقة آلاف السكان -الذين لا يزال الكثير منهم مترددين في العودة إلى مدينة توصف الآن في وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنها "مدينة أشباح".
حياة الصهاينة المعلقة في الشمال ونصر نتنياهو الوهمي
منذ سنوات تعيش كريات شمونة تحت تهديد مستمر من الصواريخ وصافرات الإنذار الجوية، لكن الحرب الحالية وتبادل إطلاق النار اللاحق بين حزب الله وإسرائيل قد دخلا هذه المدينة في مرحلة جديدة، يصفها سكانها بأنها "الحياة في حالة تعليق"، حيث علقوا بين الخوف من التصاعد وعدم القدرة على العودة إلى الوضع الطبيعي.
لم تعد الأزمة في كريات شمونة مجرد مسألة أمنية تتعلق بإطلاق الصواريخ، بل تحولت إلى قضية سياسية داخلية تؤرق حكومة بنيامين نتنياهو.
هذه المستوطنة، التي كانت لسنوات عديدة معقلًا انتخابيًا تقليديًا لليمين الإسرائيلي، أصبحت الآن واحدة من أكثر مجالات أداء حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة إشكالية، خاصة في خضم الاتهامات المتزايدة بعدم توفير الحماية وإعادة الإعمار وتعويض المتضررين.
في هذا السياق، قال أفيخاي شترن، رئيس بلدية كريات شمونة، بغضب شديد من حكومة نتنياهو: "الحكومة لا تتخذ أي إجراء لحماية سكان هذه المدينة، وفشلت في أداء واجبها الأساسي في توفير الأمن للمستوطنين. استمرار الوضع الحالي يمكن أن يؤدي إلى تدهور المدينة وفقدان جزء كبير من سكانها".
وأكد هذا المسؤول الصهيوني: "يوجد أكثر من 4700 مبنى غير محمي في كريات شمونة، ونسأل: أي نصر هذا الذي تتحدث عنه الحكومة؟ جيش إسرائيل لا يرسل أي جندي إلى الحرب دون سلاح ولباس مناسب، فلماذا يُترك سكان المستوطنات الشمالية على الحدود دون حماية؟"
وقال أحد سكان مستوطنة كريات شمونة في هذا السياق: "نحن مثل البط في مهب الريح. الحياة في هذه المدينة جنونية، وكأننا في ساحة معركة دائمة".
الأزمات التي يعاني منها سكان مستوطنة كريات شمونة في ظل هجمات حزب الله لا تقتصر على الأمن فقط، بل تمتد إلى حياتهم اليومية. سكان هذه المستوطنة، وبينهم من عادوا بعد فترة طويلة، وجدوا أنفسهم في مدينة تعاني من تراجع الخدمات، وإغلاق الأعمال، والركود الاقتصادي.
وأفادت مصادر محلية أن أكثر من 30% من السكان لم يعودوا بعد، وأعلن البعض أنهم لا ينوون العودة أبدًا. ومن ناحية أخرى، حلّت تداعيات اقتصادية شديدة بمستوطنة كريات شمونة في ظل الحرب، وتضررت بشدة المشاريع الصغيرة والمتوسطة بسبب عمليات الإجلاء المتكررة وانخفاض عدد السكان.
الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب والفرار الجماعي لسكان كريات شمونة
في مستوطنة كريات شمونة، يبلغ أصحاب الأعمال عن انخفاض حاد في المبيعات بلغ في بعض الحالات أكثر من 50% مقارنة بمستوى ما قبل الحرب، كما اضطر العديد من أصحاب الأعمال إلى تقليص قوتهم العاملة أو الإغلاق التام.
كما أثرت هذه الأزمة على القطاعات التي كانت تشكل ركائز الاقتصاد المحلي، وخاصة الزراعة والسياحة. يواجه المزارعون صعوبات في العمل بالقرب من المناطق الحدودية، في حين تراجعت السياحة -باعتبارها مصدرًا حيويًا للدخل في المنطقة الشمالية- بشكل حاد.
وتحذر السلطات المحلية من أن عمليات الإجلاء المستمرة هذه ستؤدي إلى انخفاض قيمة الممتلكات وتقليص الاستثمار الخاص، مما قد يحوّل الأزمة الأمنية المؤقتة إلى أزمة تنموية طويلة الأجل.
على الرغم من إعلان الحكومة الإسرائيلية تخصيص مليارات الشواكل لإعادة إعمار الشمال، يشكو المسؤولون المحليون والسكان من بطء صرف الميزانيات وتعقيدات الإجراءات البيروقراطية. ويقول المسؤولون المحليون إنه لا تزال هناك فجوة كبيرة بين ما يُعلن في برامج الحكومة وما يُنفذ على أرض الواقع.
مستقبل مظلم وغير مؤكد
لكن المعضلة الأخرى لمستوطنة كريات شمونة تتعلق بمستقبل هذه المستوطنة. كثير من سكان هذه المستوطنة الذين فروا خلال الحرب إلى وسط فلسطين المحتلة، وجدوا هناك فرص عمل، مما يقلل من حافزهم للعودة، خاصة مع كون المناطق الشمالية في حالة توتر وحرب دائمة.
وتحذر السلطات المحلية من أنه إذا استمر هذا الاتجاه، فستنخفض قيمة الممتلكات، وتتراجع الاستثمارات، وتتسارع الهجرة الداخلية من شمال إسرائيل (فلسطين المحتلة) إلى وسطها.
أزمة نتنياهو الكبرى مع كريات شمونة
لكن من الناحية السياسية، تشكل كريات شمونة تحديًا متزايدًا لحكومة نتنياهو، فالهجمات المستمرة لحزب الله والاضطرابات الأمنية في هذه المستوطنة تُضعف الرواية الرسمية لحكومة الكيان الصهيوني حول استعادة الردع والأمن في الشمال. كما يوفر هذا الوضع فرصة لمعارضي نتنياهو لإبراز دوره في هذا الوضع المضطرب للجبهة الشمالية.
في المقابل، يجد نتنياهو نفسه أمام خيارات معقدة. فاستمرار التصعيد العسكري ينطوي على خطر زيادة الضغط على الجبهة الداخلية والاقتصاد، في حين أن أي اتفاق أو وقف طويل الأمد لإطلاق النار يمكن اعتباره تراجعًا عن أهداف الحرب.
ومع ذلك، فإن المفارقة تكمن في حقيقة أن إسرائيل، التي قدمت الحرب كوسيلة لاستعادة الأمن إلى الشمال، تجد نفسها بعد أشهر أمام واقع لم تنجح فيه بعد في إعادة الاستقرار إلى كريات شمونة. واليوم، أصبحت كريات شمونة بالنسبة للعديد من الإسرائيليين رمزًا لأزمة أعمق تتجاوز حدود المواجهة العسكرية مع حزب الله.
/انتهى/