امل شبيب
ويتداخل في المشهد حضور الشقيف وبنت جبيل والضاحية كرموز متجذرة في الذاكرة والصراع، حيث تمتزج الجغرافيا بالبعد الرمزي في تشكيل سردية المواجهة.
بين صورة الشقيف وصوت حيفا: الفجوة بين دعاية النصر وواقع الميدان
أراد بنيامين نتنياهو أن يجعل من دخول قوات الاحتلال إلى قلعة الشقيف مشهداً رمزياً يعوّض إخفاقات الميدان، فظهرت الصور والعلم الإسرائيلي فوق القلعة التاريخية، وامتلأت وسائل الإعلام "العبرية" بالحديث عن "إنجاز استراتيجي" و"خطوة ضرورية لتأمين المستوطنات الشمالية"، لكن المفارقة أن الوقائع جاءت أسرع من الدعاية.
ففي الوقت الذي كانت فيه حكومة الاحتلال تحتفل بصورة الشقيف، كانت صفارات الإنذار تدوي في الجليل الأعلى والجليل الغربي، وتمتد إلى عكا وحيفا ومنطقة الكريوت، فيما عاش عشرات آلاف المستوطنين ساعات من التوتر والهلع، في مشهد كشف حجم الفجوة بين ما أراد نتنياهو تسويقه وبين ما فرضه الميدان.
السؤال الذي طرح نفسه فوراً لم يكن عن القلعة، بل عن الأمن الذي وعد به الكيان الإسرائيلي سكان الشمال: إذا كانت الشقيف قد "احتُلّت" لتأمين الجبهة الشمالية، فلماذا بقيت الصواريخ والمسيّرات تصل إلى العمق الإسرائيلي؟ وهذا السؤال هو الأهم من الصور التي نُشرت عن قلعة الشقيف.

قلعة الشقيف: شاهدٌ على الاحتلال وذاكرة الانسحاب ورمز الصراع المفتوح
ليست قلعة الشقيف موقعاً عادياً في الجغرافيا اللبنانية، فهي واحدة من أبرز المعالم التاريخية في جنوب لبنان، وتقع على تلة استراتيجية تشرف على نهر الليطاني وعلى مساحات واسعة من الجنوب اللبناني والجليل الفلسطيني المحتل.
وخلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، تحولت القلعة إلى موقع عسكري متقدم اعتمد عليه جيش الاحتلال في المراقبة والرصد وإدارة العمليات العسكرية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت شاهداً دائماً على عمليات المقاومة التي استنزفت القوات الإسرائيلية في الجنوب. وعندما انسحب الاحتلال من لبنان عام 2000، خرج من الشقيف كما خرج من معظم الأراضي اللبنانية تحت ضغط المقاومة، لتصبح القلعة جزءاً من ذاكرة التحرير اللبنانية لا من ذاكرة الاحتلال.لهذا السبب حاول الكيان الإسرائيلي الغاصب إعادة استثمار رمزية الشقيف في الحرب الحالية، أملاً في تحويلها إلى عنوان نصر سياسي ومعنوي.

من الجليل إلى حيفا: حين تتقدّم الصواريخ على السرديات
لكن بينما كانت آلة الدعاية الإسرائيلية تتحدث عن "فتح عسكري"، كانت الجبهة الشمالية تشهد واحدة من أكثر الليالي توتراً. وسائل إعلام إسرائيلية أفادت بأن مستوطنات الجليل الأعلى عاشت ساعات قاسية بدت خلالها الجبهة مفتوحة على كل الاحتمالات، قبل أن ينتقل التوتر إلى عكا ومحيطها ثم إلى حيفا ومنطقة الكريوت ذات الكثافة السكانية العالية.
كما تعطلت الحياة بصورة شبه كاملة في "كريات شمونة" و"كفار جلعادي" و"مسكاف عام" و"شلومي" و"حانيتا" و"شوميرا" و"زرعيت"، وسط تحذيرات متواصلة من تسلل طائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي اللبنانية.
ولم يعد الأمر مقتصراً على صفارات الإنذار، إذ تحدثت وسائل الإعلام العبرية عن وقوع إصابات متعددة في صفوف جيش الاحتلال، خصوصاً في منطقة "بيت هيلل"، نتيجة عمليات نفذتها المقاومة بواسطة الطائرات المسيّرة.

من الشقيف إلى حيفا: بين دعاية "الإنجاز" واعترافات الميدان… رواية تتصدّع وحدود تشتعل
اللافت أن التقديرات الإسرائيلية نفسها أقرت بأن ما جرى يناقض تماماً الرواية التي حاولت الحكومة تسويقها.فقد نقلت "القناة 12 العبرية" عن مصادر عسكرية تأكيدها أن حزب الله نجح خلال الليل في إصابة جنود إسرائيليين بواسطة طائرات مسيّرة مفخخة. أما إذاعة جيش الاحتلال فاعترفت بأن الحزب يواصل توسيع مدى إطلاق الصواريخ داخل فلسطين المحتلة.
بدورها، كشفت صحيفة "معاريف" أن المقاومة أطلقت عشرات الطائرات المسيّرة الانقضاضية باتجاه القوات الإسرائيلية العاملة في جنوب لبنان، إلى جانب نحو عشرين طائرة أخرى باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهكذا، وبينما كان الكيان يتحدث عن السيطرة على القلعة، كانت المقاومة تتحدث بلغة مختلفة تماماً: لغة الميدان والنار والقدرة على توسيع دائرة الاشتباك.

بين الصورة والواقع: اعترافات إسرائيلية تُفكك رواية الشقيف
الأكثر إحراجاً للرواية الإسرائيلية جاء من داخلها.ففي الوقت الذي حاول فيه الإعلام العبري تصوير دخول الشقيف على أنه عملية عسكرية نوعية أدت إلى القضاء على "حامية القلعة"، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول إسرائيلي اعترافاً صريحاً قال فيه إن القوات التي دخلت القلعة لم تجد أي عناصر من حزب الله، كما لم تعثر على أي أسلحة داخلها. بمعنى آخر، فإن القلعة التي صُوّرت باعتبارها مركزاً عسكرياً للمقاومة لم تكن في الواقع كذلك. وهذا ما جعل كثيرين داخل الكيان يتساءلون عن القيمة العسكرية الفعلية للعملية، إذا كانت القلعة خالية أصلاً من المقاتلين والأسلحة.

"كنت هناك وأعرفها جيداً": شهادة إسرائيلية تُحرج رواية الشقيف
من بين أكثر التعليقات إحراجاً للحكومة الإسرائيلية كان ما كتبه الصحافي والباحث الإسرائيلي "يائير نافوت"، الذي خدم شخصياً في قلعة الشقيف خلال سنوات الاحتلال في تسعينيات القرن الماضي. فقد علّق على احتفال "وزيرة الاتصالات الإسرائيلية ميري ريغيف" بدخول القلعة قائلاً إنه رأى صوراً وأعلاماً وشعارات وطبول حرب، لكنه لم يرَ أي مضمون حقيقي. وأضاف: "لا حاجة لأن يشرح لي أحد ما هي قلعة الشقيف، لقد كنت هناك وأعرفها جيداً".
ثم وجّه ضربة مباشرة للرواية الرسمية عندما قال: "الشمال بأكمله يتعرض للقصف، وسكانه يعيشون في جحيم. حسناً، أصبحت قلعة الشقيف بأيدينا، فهل تغيّر شيء؟ هل انخفضت المسيّرات الانتحارية؟ هل تراجعت عمليات الإطلاق؟ هل قلّ عدد المصابين؟ لا. لكن هناك علماً مرفوعاً، وهذا كل ما في الأمر".
بهذه الكلمات اختصر "نافوت" جوهر الأزمة الإسرائيلية: انتصار في الصورة، وفشل في تحقيق الأمن.

من الشقيف إلى حيفا وصفد: الميدان يفرض معادلة اشتباك أوسع
ولم تنتظر المقاومة طويلاً للرد على المشهد الدعائي الإسرائيلي، فبعد ساعات من دخول القوات الإسرائيلية إلى القلعة، أدرج حزب الله الموقع ومحيطه ضمن بنك أهدافه المباشر، ونفّذ سلسلة عمليات استهدفت آليات عسكرية من نوع "هامر"، وتجمعات لجنود الاحتلال، وقوة تموضعت داخل أحد المنازل في المنطقة.
كما استهدفت المقاومة راداراً مخصصاً للتشويش على الطائرات المسيّرة، مستخدمة طائرات انقضاضية من نوع "أبابيل"، مع تأكيد تحقيق إصابات مباشرة.
وفي إطار توسيع نطاق العمليات، امتدت الضربات إلى مناطق متعددة داخل فلسطين المحتلة، فإستهدفت المقاومة تجمعاً للجنود في مستوطنة "شلومي" بواسطة طائرة مسيّرة انقضاضية، كما قصفت مواقع وبنى عسكرية في "نهاريا" وموقع الكريوت شمال حيفا بصليات صاروخية.
وطاولت العمليات أيضاً أهدافاً عسكرية داخل مدينة صفد، إلى جانب استهداف تجمعات الاحتلال في موقع المطلة بالقذائف المدفعية.وبذلك لم تعد المعركة محصورة في الشريط الحدودي، بل انتقلت بصورة واضحة إلى عمق الجبهة الشمالية.

استنزاف على الخط الأمامي: ضربات متواصلة تعيد رسم قواعد الاشتباك في الجنوب
بالتوازي مع العمليات في العمق، واصلت المقاومة استهداف القوات الإسرائيلية المنتشرة في القطاع الحدودي، وشملت العمليات استهداف تجمع لآليات وجنود الاحتلال في بلدة البياضة، وقوة عسكرية في الأطراف الشرقية لبلدة يحمر الشقيف، ومربض مدفعية في العديسة، إضافة إلى استهداف آليتين من نوع "نميرا" في بلدة دبل. كما استهدفت تجمعاً للجنود في بلدة القوزح، ودمرت آلية عسكرية في بلدة دبّين، مستخدمة الصليات الصاروخية والطائرات المسيّرة الانقضاضية، مع تأكيد وقوع إصابات مباشرة.

لبنان في الوعي الإسرائيلي: من الشقيف فـ"بنت جبيل"و الضاحية… خرائط الهزيمة التي لا تُنسى
لا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على الوصول إلى قلعة الشقيف بمعزل عن الذاكرة الثقيلة التي يحملها هذا المكان في العقل العسكري والسياسي الإسرائيلي.
ففي لبنان، لا يتعامل الاحتلال مع بعض المواقع بوصفها مجرد نقاط جغرافية أو أهداف عسكرية، بل بوصفها "عقداً نفسية" مرتبطة بمحطات الهزيمة والإخفاق. والشقيف تأتي في مقدمة هذه الأماكن، تماماً كما هي حال بنت جبيل والضاحية الجنوبية لبيروت.
بالنسبة للإسرائيلي، لا تمثل الشقيف مجرد قلعة تاريخية تطل على الجنوب اللبناني، بل تمثل أيضاً رمزاً لمرحلة انتهت بانسحاب مذل عام 2000. فمن هذه المنطقة، ومن محيطها، راكمت المقاومة سنوات طويلة من الاستنزاف الذي قاد في النهاية إلى انهيار مشروع الاحتلال في الجنوب وانسحاب جيشه بلا قيد أو شرط.
أما بنت جبيل، فتمثل في الوعي الإسرائيلي جرحاً آخر لم يلتئم بعدما اعلن منها الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصرالله عام 2000 أن "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت"، ففي حرب تموز 2006 دخلها الجيش الإسرائيلي باعتبارها هدفاً رمزياً وسياسياً، لكنه اصطدم هناك بمقاومة عنيفة حوّلت المدينة إلى عنوان للفشل العسكري الإسرائيلي. ومنذ ذلك الوقت ارتبط اسم بنت جبيل في الأدبيات الإسرائيلية بإحدى أكثر المعارك إيلاماً في تاريخ الجيش الإسرائيلي.
والأمر نفسه ينطبق على الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تحولت منذ سنوات إلى رمز سياسي ومعنوي للمقاومة، وإلى هدف دائم للخطاب الإسرائيلي الذي يحاول إظهار القدرة على استهدافها تهديدها.
لهذا السبب لا يمكن فصل العودة إلى الشقيف اليوم عن محاولة إسرائيلية أوسع لإعادة ترميم صورة اهتزت مرتين؛ الأولى عام 2000 عندما خرج الاحتلال من الجنوب اللبناني تحت ضربات المقاومة، والثانية عام 2006 عندما فشل في تحقيق أهدافه العسكرية والسياسية رغم حجم القوة النارية التي استخدمها. إنها محاولة لاستعادة مشهد ضائع أكثر منها محاولة لتحقيق إنجاز عسكري حقيقي.
فالاحتلال يدرك أن معارك اليوم لا تُحسم في القلاع التاريخية، لكنه يبحث باستمرار عن الرموز التي تذكره بالهزائم السابقة، ويحاول إعادة احتلالها أو تدميرها أو رفع أعلامه فوقها أملاً في محو أثر تلك الهزائم من الذاكرة الجماعية.
لكن المشكلة بالنسبة للكيان الإسرائيلي أن الأماكن التي تحولت إلى رموز في لبنان لم تصبح كذلك بسبب الجغرافيا وحدها، بل بسبب ما راكمته من معانٍ سياسية وتاريخية ومقاومة. ولذلك فإن رفع علم فوق الشقيف لا يمحو انسحاب عام 2000، كما أن الوصول إلى بنت جبيل لا يمحو نتائج حرب تموز، وكما أن تهديد وتدمير الضاحية لا يغير حقيقة أنها بقيت طوال السنوات الماضية أحد أبرز عناوين الصمود في المنطقة.
ولهذا تبدو المعركة الحقيقية بالنسبة للكيان الغاصب معركة ذاكرة بقدر ما هي معركة ميدان. إنها تحاول الانتصار على عقدها التاريخية في لبنان، فيما تذكّرها الوقائع مرة بعد أخرى بأن الهزائم الكبرى لا تُمحى بصورة، ولا يُعاد كتابة التاريخ برفع علم فوق قلعة.
بين السيطرة والأمن: الشقيف تعيد فتح معضلة "إسرائيل" التاريخية
تكشف معركة الشقيف مجدداً حقيقة رافقت "إسرائيل" طوال عقود الصراع في لبنان. فالاحتلال يستطيع الوصول إلى التلال والمرتفعات والقرى، ويمكنه رفع الأعلام فوق المواقع التاريخية، لكنه لا يستطيع تحويل ذلك تلقائياً إلى أمن واستقرار.
لقد احتل كيان الإحتلال الشقيف سنوات طويلة قبل عام 2000، لكنه خرج منها في النهاية تحت ضغط المقاومة. واليوم، وبعد كل ما جرى، يبدو أن المشكلة ذاتها ما زالت قائمة: السيطرة على الحجر لا تعني السيطرة على الميدان، واحتلال القلعة لا يوقف الصواريخ، ولا يمنع المسيّرات، ولا يعيد الطمأنينة إلى المستوطنات الشمالية.
ولهذا السبب تحديداً، لم تتحول صورة الشقيف إلى عنوان نصر، بل إلى تذكير جديد بأن الأمن الذي تبحث عنه "إسرائيل" ما زال أبعد بكثير من أن يتحقق بصورة فوق قلعة تاريخية.
/إنتهى/