.
لم تعد الحرب اليوم تُقاس بعدد الصواريخ فقط، بل بقدرتها على تغيير شكل الاقتصاد نفسه. وهذا ما حدث داخل ما يُسمى "إسرائيل".
قبل سنوات، كانت الصورة واضحة: "دولة شركات ناشئة"، استثمارات، وتكنولوجيا متقدمة، أو كما كان يُروّج لها: Start-Up Nation.
كان الاقتصاد يعمل في الخلف، بينما الحرب تُدار في الأطراف. غزة تُقصف، جنوب لبنان يشتعل، لكن الداخل الاقتصادي يبقى ثابتاً: المطار يعمل، الشركات تعمل، والاستثمارات تتدفق. كانت هناك معادلة غير معلنة تقول: الحرب هناك، والاقتصاد هنا. "الخلف الآمن" لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل أساس النموذج كله.
لكن هذه المعادلة بدأت تتكسر منذ عملية "طوفان الأقصى"، وفتح جبهات غزة ولبنان، ودخول إيران مباشرة في معادلة الردع. تغيّر كل شيء. لم تعد الحرب على الحدود فقط، بل اقتربت من المركز. مطار بن غوريون أصبح تحت التهديد، والمجال الجوي يُغلق، والموانئ تُربك، والاقتصاد يدخل في حالة عدم يقين مستمرة. وهنا يبدأ التحول الأخطر: نهاية فكرة "الحرب البعيدة". الاقتصاد الإسرائيلي الذي بُني على الاستقرار بدأ يدخل منطقة جديدة هي "اقتصاد حرب مفتوحة".
الأرقام تعكس ذلك بوضوح: الإنفاق العسكري يرتفع بشكل غير مسبوق، الموازنات تتحول من التنمية إلى الجبهة، والدين العام بدأ بالتصاعد تحت ضغط الاستنزاف. لكن الأخطر ليس فقط في الأرقام، بل في سوق العمل. جيش الاحتياط يعني أن جزءاً من العقل الذي كان يدير الاقتصاد خرج منه، فصار الاقتصاد يعمل بعقل منقوص. مهندسون، مبرمجون، رواد أعمال: جزء منهم في الاقتصاد وجزء آخر في الجبهة، وهنا يحدث النزيف الحقيقي. قطاع الهاي تيك، قلب النموذج القديم، بدأ يتباطأ تحت ضغط الحرب الطويلة. الاقتصاد الذي كان يُنتج برمجيات أصبح يُستهلك في إنتاج الحرب نفسها.
وهنا تظهر المفارقة القاسية: ليس المطلوب إسقاطاً مباشراً، بل إطالة الزمن. لأن الحرب الطويلة تغيّر كل شيء: المستثمر يتردد، السوق يتوتر، الثقة تهتز، الضرائب ترتفع، التضخم يتصاعد، وكلفة الأمن تصبح جزءاً من كل تفصيلة في الحياة اليومية. وهنا يتحول السؤال: كيف يمكن لاقتصاد بُني على الاستقرار أن يعيش داخل حالة استنزاف مفتوحة؟.
اليوم، لم يعد الفصل ممكناً بين الأمن والاقتصاد. كل تهديد له سعر، وكل جبهة لها كلفة، وكل تصعيد يترك أثره في السوق قبل أن يتركه في الميدان. وهكذا يتغير الشكل العام: من اقتصاد رفاه إلى اقتصاد تعبئة، ومن اقتصاد استثمار إلى اقتصاد قلق دائم.
في النهاية، الصورة لم تعد مجرد صراع عسكري، بل صراع على شكل الحياة نفسه. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل يستطيع اقتصاد بُني على فكرة الاستقرار أن يصمد داخل حرب لا تنتهي بسرعة ولا تسمح بالعودة إلى الطبيعي؟ أم أن أخطر ما حدث ليس في الميدان، بل في انهيار فكرة "الحياة الطبيعية" من الأساس؟.
/إنتهى/