أمل شبيب
في مشهد يكاد يكون نادراً في تاريخ العلاقة الأميركية - الإسرائيلية، خرج الرئيس دونالد ترامب عن النص الإسرائيلي المعتاد، ووجّه انتقادات علنية غير مسبوقة لسلوك "جيش الاحتلال" في لبنان، تحديداً في بيروت. لم يكتفِ بوصف الهجمات بأنها "مبالغ فيها" و"مستفزة"، بل صرح بكل وضوح: "ليس من الضروري قصف مبانٍ سكنية بأكملها لملاحقة مقاتلي حزب الله، لأن هناك الكثير من الناس في تلك المباني السكنية، وليس جميعهم من حزب الله". تصريحات ترامب هذه ليست مجرد نوبة غضب عابرة، بل تحمل في طياتها تحولاً استراتيجياً في الموقف الأميركي، وتكشف عن شرخ عميق بين واشنطن و"تل أبيب"، قد يُحدث زلزالاً في توازنات المنطقة برمتها.
التصريحات الكاملة التي هزت "تل أبيب"
في قمة مجموعة السبع في فرنسا أمس الثلاثاء، فاجأ ترامب الجميع بتصريحاته اللاذعة التي لم تكن مجرد نقد عابر، بل كانت صفعة علنية لنتنياهو وحكومته.
قال ترامب: "إسرائيل تقاتل جماعة حزب الله الحليفة لطهران منذ وقت أطول من اللازم"، وأضاف في انتقاد مباشر للأساليب العسكرية الإسرائيلية: "قتل عدد كبير جداً من الأشخاص. ليس عليكم تدمير مبنى سكني في كل مرة تبحثون فيها عن شخص ما، لأن هناك الكثير من الناس في تلك المباني السكنية، وليس جميعهم من حزب الله".
لم يتوقف عند هذا الحد، بل وجه كلامه مباشرة إلى نتنياهو قائلاً: "على نتنياهو أن يكون أكثر مسؤولية" تجاه ما يحدث في لبنان. ثم أردف بعبارة تحمل الكثير من الغطرسة والتذكير بالنفوذ: "بدوننا، بدون الولايات المتحدة، لما كانت هناك "إسرائيل". وبدوني، لما كانت هناك "إسرائيل"، لأنه ما من رئيس آخر كان مستعداً لفعل ما فعلته أنا".
هذه ليست مجرد كلمات عابرة. ترامب، الذي كان يُعتبر "أكثر رؤساء أميركا دعماً للكيان الإسرائيلي"، يخرج الآن ليوبّخ قادة "تل أبيب" أمام العالم، وهذا يطرح سؤالاً ملحاً: ما الذي تغير؟
التناقض الصارخ.. البيت الأبيض بين المطرقة والسندان
في مشهد يعكس ارتباك الإدارة الأميركية، نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض مقطع فيديو لهذه التصريحات تحديداً، دون أن يوضح سبب اختيار هذا المقطع بالذات للنشر. لكن المفاجأة الأكبر كانت أن البيت الأبيض سارع إلى إصدار بيان متناقض قال فيه إن "الرئيس تربطه علاقة قوية بنتنياهو وإن قوات الجيش الإسرائيلي شركاء رائعون".
هذا التناقض الصارخ يكشف حقيقة أن الإدارة الأميركية تحاول التوفيق بين موقفين متناقضين: من جهة، تريد إرسال رسالة واضحة لت"إسرائيل" بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء في قتل المدنيين وتدمير المباني السكنية في بيروت ولبنان. ومن جهة أخرى، تريد الحفاظ على مظهر العلاقة "الرائعة" مع نتنياهو، حتى لا تبدو وكأنها تتخلى عن حليفها الاستراتيجي.
الأكثر إثارة للدهشة أن "السفارة الإسرائيلية" في واشنطن ردت على تصريحات ترامب بـ "لا تعليق"، وهو ما يعكس حالة من الارتباك والذهول في "تل أبيب"، التي لم تتوقع أن يأتي الهجوم من أقرب حلفائها.
لماذا يهاجم ترامب الكيان الإسرائيلي الآن؟ كواليس التوتر الخفي!!
الحقيقة أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو ليس جديداً، لكنه وصل اليوم إلى ذروته. مصادر إسرائيلية تتحدث عن إحباط كبير في "تل أبيب" من الاتفاق الذي أبرمه ترامب مع إيران، وهو الاتفاق الذي تعتبره "المؤسسة الأمنية الإسرائيلية "طعنة في الظهر" و"فشلاً استراتيجياً" لـ"إسرائيل".
المسؤولون الإسرائيليون يعبرون علناً عن استيائهم من هذا الاتفاق، ويعتبرونه هدية مجانية لإيران في وقت هي في "أضعف حالاتها". لكن ترامب يرى الأمر بشكل مختلف تماماً. هو يريد إنجاح اتفاقه مع إيران، ولا يريد لأي أحد، ولا حتى لـ"إسرائيل"، أن يعرقل هذا المسار.
العلاقة بين الرجلين تشبه علاقة النمرين في قفص واحد. ترامب يرى نفسه "منقذ إسرائيل"، ويصر على تذكير نتنياهو باستمرار بأن وجود "إسرائيل" مرهون بالدعم الأميركي، وبأنه هو شخصياً قام بأكثر من أي رئيس آخر من أجل "إسرائيل". وفي المقابل، نتنياهو يحاول التمسك ببقايا استقلاليته، ويواصل حربه في لبنان رغم الضغوط الأميركية، محاولاً أن يفرض أمراً واقعاً لا يمكن التراجع عنه.
لكن السؤال الأهم: هل استياء ترامب من هجمات الكيان الصهيوني على بيروت تحديداً هو ما أطلق هذه التصريحات؟ الإجابة تبدو إيجابية، فقد عبر ترامب خلال الأيام الماضية عن استيائه من الهجمات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية، وهو ما دفعه للخروج بهذا الهجوم العلني.

الصحافة الإسرائيلية تعترف.. انهيار "العقيدة الأمنية"
في الداخل الإسرائيلي، بدأت الأصوات تتعالى، وكأن الجميع يدرك أن الكارثة قادمة. الصحافي الإسرائيلي "أمير أورن" من صحيفة "هآرتس" كتب مقالاً قاسياً يقول فيه إن "العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الردع والإنذار والحسم تآكلت بالكامل".
ووصف المشهد بشكل دراماتيكي قائلاً: "انتقل موقع مثلث برمودا، المغناطيس الغامض الذي يجذب إليه السفن والطائرات، إلى مضيق هرمز، الذي ابتلع في داخله مثلثاً آخر، وهو مثلث "العقيدة الأمنية الإسرائيلية": الردع، والإنذار، والحسم".
وأضاف أن "بين غزة وإيران، ومع لبنان واليمن، تلاشت عناصر الردع والإنذار والحسم"، بحيث "لم يرتدع الأعداء مما قد يحدث لهم إذا هاجموا". وأكد أن "إسرائيل بنيامين نتنياهو مزهوة بنفسها ومطمئنة، فيما القوة التي أعدتها لم تنجح في الغلبة والإخضاع".
الأكثر إيلاماً بالنسبة لنتنياهو هو سخرية "أرون" من أعذاره، حيث قال: "أعذار نتنياهو المضحكة التي أطلقها الليلة قبل الماضية دُحضت حتى قبل أن تُطلق"، وتابع متسائلاً: "إذا كان قد بقي من حزب الله مجرد ظل، فلماذا لا يتم حسمه؟ وإذا كان اغتيال "قادة العدو" بشكل جماعي فكرة ناجحة إلى هذا الحد، فلماذا تفشل مرة تلو الأخرى؟ وإذا كان تدمير اتفاق "أوباما – خامنئي" يهدف إلى إبعاد إيران عن السلاح النووي، فكيف أثرى ذلك كمية اليورانيوم لديها؟".
واختتم "أرون" بتحذير قاسٍ:"كل ما بُني هنا منذ بن غوريون لن يؤثر على اعتبارات أصحاب القرار في طهران، عندما يقف في مواجهتهم نتنياهو، الذي يمسك ترامب بزمامه". وأضاف: "لو كانت مهمة حياته أمنية حقاً لمجد "إسرائيل"، لما كان ليحبطها من خلال مؤامرته لتدمير كل القوانين والمؤسسات التي تهدد بجباية ثمن خطيئته، بالسجن والعار".
هذا النقد الداخلي اللاذع يكشف أن نتنياهو أصبح وحيداً حتى في صفوف نخبه العسكرية والصحافية، وأن العقيدة التي بناها "آباء إسرائيل" المؤسسون أصبحت مجرد ذكرى تحت ركام حروب نتنياهو العبثية.
من الكلام إلى السياسة.. ترامب: "كفاكم"
في هذا الصدد قالت وكالة "رويترز" إنه "لا يوجد أي مؤشرات على أن تعليقات ترامب ستتحول إلى سياسة فعالة تجبر "إسرائيل" على إعادة النظر في أساليبها العسكرية". لكن هذا التحليل قد يكون ساذجاً أو متعجلاً.
ترامب، كما نعرفه، لا يطلق التصريحات عبثاً. هو رجل يحسب لكل كلمة وزنها، وعادة ما تكون تصريحاته تمهيداً لخطوات عملية. الحساب الرسمي للبيت الأبيض نشر فيديو لهذه التصريحات تحديداً، وهذا إشارة واضحة إلى أن البيت الأبيض يريد إيصال رسالة مبطنة إلى "قادة إسرائيل": "كفاكم".
قد لا يتحول كلامه إلى قرارات رسمية الآن، لكنه يشكل سابقة خطيرة تضع "إسرائيل" في موقف دفاعي أمام حلفائها الغربيين. الأهم من ذلك، أن ترامب يدرك أن استمرار الحرب الإسرائيلية في لبنان يهدد اتفاقه مع إيران، وهو الاتفاق الذي يعتبره إنجازاً شخصياً له. لذلك، هو مستعد للضغط على نتنياهو بأي وسيلة، حتى لو كان ذلك عبر التصريحات العلنية القاسية.
قتل المدنيين في غزة ولبنان.. الفضيحة التي لا يغطيها الإعلام الغربي
إذاً، قال ترامب ما قاله عن قتل المدنيين في لبنان، لكن الحقيقة أن "إسرائيل" دمرت أحياءً سكنية بأكملها في لبنان، وقتلت أعداداً كبيرة من المدنيين، بحجة استهداف عناصر حزب الله. هذه ليست مجرد دعاية، بل وقائع مؤكدة تداولتها وسائل الإعلام الدولية.
ورغم أن ترامب لم يذكر غزة في تصريحاته هذه المرة، فإن الحديث عن "قتل عدد كبير جداً من الأشخاص" يذكرنا بما حدث في غزة حيث استشهد أكثر من 73 ألفاً، معظمهم من المدنيين، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. "إسرائيل "التي تتعامل مع المدنيين كورقة ضغط، باتت تجد نفسها اليوم تحت مجهر انتقادات حتى من أقرب حلفائها.
ما يحدث في لبنان وغزة هو تكرار لنمط إسرائيلي معروف: استخدام القوة المفرطة، تدمير البنية التحتية، قتل المدنيين، ثم التغطية الإعلامية الغربية التي تبرر كل ذلك باسم "حق الدفاع عن النفس"!!!
لكن اليوم، حتى ترامب، ذلك الرجل الذي كان يُعتبر الحليف الأعمى لـ"إسرائيل"، بدأ يملّ من هذا السلوك الإجرامي.
نتنياهو تحت المطرقة.. و"إسرائيل" تُباع في السوق الدولية
ما يجري الآن هو اختبار حقيقي لقوة نتنياهو. هل سيستمر في تحدّي ترامب، أم سيضطر إلى الانصياع للضغوط الأميركية؟ المؤشرات تقول إن نتنياهو يترنح.
"إسرائيل" منهكة عسكرياً واقتصادياً، والحرب على لبنان كشفت أن الجيش الإسرائيلي ليس جيشاً لا يُقهر، بل جيشاً يواجه صعوبات حقيقية في إنجاز أهدافه. الضغوط الداخلية تتزايد، والشارع الإسرائيلي يبدأ بالتساؤل عن جدوى هذه الحرب التي لا نهاية لها في الأفق.
أما ترامب، فيبدو أنه يعيد ترتيب أوراقه. هو لا يريد حرباً إقليمية شاملة تدمر سمعته وتدمر العلاقة مع إيران، خاصة أنه وقّع اتفاقاً معها ويريد إنجاحه. نتنياهو أصبح عقبة في هذا الطريق، وترامب يحاول إزاحتها بكلمات قاسية قبل أن يتخذ إجراءات أكثر إيلاماً.
الاتفاق بين طهران وواشنطن لوقف الحرب، الذي تعتبره وسائل إعلام غربية وإسرائيلية "فشلاً استراتيجياً لإسرائيل"، هو جوهر الأزمة. تشعر "إسرائيل" بأنها تُباع في السوق الدولية، وأن ترامب يفضّل مصالحه الشخصية والاتفاق مع إيران على مصالح "إسرائيل" الاستراتيجية.
"علاقتنا رائعة".. لعبة التناقضات الأميركية
في مشهد يعكس ازدواجية الموقف الأميركي، ترامب رغم هجومه اللاذع على "إسرائيل"، أصر على القول إنه يتمتع "بعلاقة رائعة" مع نتنياهو. هذا التناقض ليس غريباً على ترامب، فهو رجل يحب أن يكون في موقع القوة، وأن يذكّر الجميع بأنه المسيطر، حتى وهو ينتقد.
لكن هذا التناقض يكشف عن حقيقة مهمة: ترامب لا يريد قطع العلاقة مع "إسرائيل"، لكنه يريد إعادة ضبطها وفق رؤيته الخاصة. يريد أن تكون "إسرائيل" تابعة وليس شريكاً مستقلاً. يريد أن يتخذ القرارات بنفسه، وأن يقتنع نتنياهو بدوره كمنفذ وليس كمخطط.
هذا هو جوهر الصراع بين الرجلين: صراع على من يقود من. ترامب يعتقد أنه القائد الحقيقي للمشروع الصهيوني، ونتنياهو يعتقد أنه القائد التاريخي لـ"إسرائيل". وهما يدركان أن المنطقة تتغير، وأن التحالفات القديمة أصبحت غير قادرة على الصمود أمام المتغيرات الجديدة.
إذاً، ما قاله ترامب عن حليفه الصهيوني ليس مجرد انتقاد عابر، بل هو إعلان حرب كلامية على سياسات نتنياهو. الرجل الأميركي يقول بوضوح: "أنتم تتجاوزون الحدود، وأنتم تقتلون الكثير من الأبرياء، وأنا لن أظل صامتاً".
ثلاث رسائل أساسية يحملها هذا الهجوم:
الأولى: أن أميركا بدأت تدرك أن دعم "إسرائيل" دون قيد أو شرط لم يعد في مصلحتها، وأن استقرار المنطقة أهم من نزوات نتنياهو العقيمة.
الثانية: أن "العقيدة الأمنية الإسرائيلية" القائمة على الردع والإنذار والحسم، كما يصفها الإسرائيليون أنفسهم، قد انهارت تماماً في مواجهة إيران ومحورها.
الثالثة: أن الاتفاق مع إيران هو الخط الأحمر الذي لا يمكن لـ"إسرائيل" تجاوزه، وأن ترامب مستعد لصفع نتنياهو علناً إذا استمر في عرقلة هذا الاتفاق.
الكيان الصهيوني الذي ظن أنه فوق القانون الدولي وفوق انتقادات حلفائه، يكتشف اليوم أن حتى ترامب، ذلك الرجل الذي كان يُعتبر حليفه الأعمى، بدأ يملّ من سلوكه الإجرامي. "الشرق الأوسط" يتغير، وأميركا ربما بدأت تفهم أن صفعة واحدة لنتنياهو قد تكون أكثر فائدة من مئات الصفقات العسكرية معه.
أما السؤال الأهم: هل سينصاع نتنياهو، أم سيستمر في تحدّي الرئيس الذي يمسك بزمامه؟ الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه الصفعة ستُحدث تغييراً حقيقياً، أم ستُضاف إلى سجل الإخفاقات الإسرائيلية في لبنان وغزة وإيران.
عندما يصفع ترامب نتنياهو أمام العالم، فهذا يعني أن "إسرائيل" فقدت آخر حلفائها المخلصين. والشارع العربي والعالمي يراقب انهيار هذه العلاقة باهتمام كبير، ويسأل: من التالي في قائمة الصفعات؟
/إنتهى/