أمل شبيب
هل يتفكك "الجيش الذي لا يُقهر" قبل أن ينهار على يد "أعدائه"؟ سؤال يطرح نفسه يومياً أمام التطورات التي يعيشها كيان الإحتلال، لكن المفارقة الصادمة أن الخطر الأكبر الذي يهدد "الجيش" الإسرائيلي اليوم لا يأتي من صواريخ المقاومة أو مسيّرات إيران فقط، بل من "صراع داخلي بين الحاخامات والمقاتلات"، وبين رجال الدين وقادة العسكر، وبين رؤيتين متناقضتين لـ"هوية هذا الجيش ومستقبله". فبينما يحذّر رئيس الأركان من انهيار وشيك بسبب نقص 12 ألف جندي، يهدّد الحاخامات بسحب آلاف المقاتلين النوعيين من سلاح المدرّعات، لمجرد أن امرأة قد تجلس إلى جانبهم داخل الدبابة. إنها معركة لا تدور حول الدبابة، بل حول "روح الجيش ومصير الكيان".
تحذير رئيس الأركان.. "الجيش سينهار
في جلسة "كابينت" مغلقة، أطلق رئيس الأركان "إيال زمير" تحذيراً وصفه الحاضرون بـ"غير المسبوق". قالها بكل وضوح: "أرفع اثني عشر علماً أحمر، والجيش سينهار على نفسه". لم يكن هذا كلاماً عابراً، بل تحذيراً استراتيجياً من أزمة وجودية تهدّد العمود الفقري للكيان الصهيوني.
ما الذي يدفع قائد ما يزعم أنه "أقوى جيش" في المنطقة إلى هذا اليأس؟ الإجابة بسيطة لكنها مروعة: "نقص يزيد على 12 ألف جندي، بينهم 7500 جندي في الخطوط الأمامية"، والكارثة أن الخدمة الإلزامية ستعود إلى 30 شهراً في يناير 2027، مما سيخلق فجوة تعادل دورة تجنيد كاملة، أي أن كل كتيبة ستفقد سرّية كاملة من جنودها فجأة. والأسبوعان المقبلان هما الفرصة الأخيرة لتعديل القانون وتمديد الخدمة إلى 36 شهراً، وإلا فسينهار "الجيش" تحت وطأة الحرب والاستنزاف.
هوس الحاخامات.. عندما تصبح الدبابة "غير طاهرة"
في الجانب الآخر من المعادلة، حاخامات التيار الصهيوني الديني يرون في جندية المرأة في سلاح المدرّعات "تحدياً دينياً لا يُقبل". هؤلاء الحاخامات، الذين يسيطرون على أكثر من 45 مدرسة دينية (يشيفوت) تخرّج "المقاتلين النخبويين"، أعلنوا التوقف نهائياً عن إرسال طلابهم إلى سلاح المدرّعات، احتجاجاً على محاولات دمج المقاتلات مع الرجال داخل الدبابات.
المفارقة الأكثر إيلاماً، حاول رئيس الأركان تهدئتهم برسالة خاصة، لكنهم وصفوها بـ "محاولة تخدير"، وأعلنوا أنهم سيوجّهون طلابهم إلى وحدات أخرى مثل "شاييطت 13" و"شلداغ" التي لا توجد فيها اختلاط مباشر مع النساء.
هذا التمرّد ليس مجرد نزوة دينية، بل هو "تمرد سياسي-عسكري" يهدّد بتجريد سلاح المدرّعات من "نخبة مقاتليه". الحاخامات لا يريدون جيشاً يضم نساء في الدبابات، حتى لو كان هذا الجيش على شفا الانهيار.
المقاتلات يكسرن احتكار الحاخامات.. معركة الدبابة تشتعل
في المقابل، هناك ثورة صامتة ولكنها لا تقل خطورة على الحاخامات. عدد المقاتلات في "الجيش" الإسرائيلي وصل إلى "8500 مقاتلة"، يتضاعف عددهنّ من بنات التيار الصهيوني الديني نفسه! نعم، يرفض الحاخامات دمج المقاتلات في الدبابات، لكن بناتهم وأبناء جماعتهم يتطوّعون للخدمة في الوحدات القتالية بأعداد متزايدة.
هذه المعادلة المتناقضة تكشف عن "صراع عميق في الداخل الصهيوني الديني نفسه"، بين جيل يرى في الخدمة العسكرية "واجباً وطنياً"، وجيل آخر يرى أن وجود المرأة في الميدان يُفقد الجيش "قدسيته". والأخطر أن هذا الصراع يحدث تحت أنظار رئيس الأركان، الذي يجد نفسه بين مطرقة الحاخامات وسندان المقاتلات، ويحاول التوفيق بينهما بقرارات لا ترضي أحداً.
أزمة هوية.. من يحدد شكل "الجيش" القادم؟
الحقيقة التي تحاول القيادة الإسرائيلية إخفاءها هي أن هذا الجدل ليس حول الدبابة، بل حول "من سيملك الكلمة الأخيرة في تحديد هوية الجيش". هل هو جيش "علماني" يخضع لقرارات المحكمة العليا والمنظمات النسوية التي تضغط لدمج النساء؟ أم جيش "ديني" يخضع لفتاوى الحاخامات الذين يرون في الخدمة المختلطة إهانة للتعاليم اليهودية؟
المحللون الإسرائيليون يشيرون إلى أن "الجيش" بدأ يتحول إلى ساحة معركة سياسية-دينية"، حيث يحاول كل طرف فرض رؤيته على الآخر. الحاخامات يريدون جيشاً "متديّناً" تعمل فيه النساء في وحدات منفصلة بالكامل، بينما تريد المنظمات النسوية جيشاً "متساوياً" يدمج النساء في كل الوحدات دون تمييز. ورئيس الأركان يحاول التوفيق بينهما، لكنه يجد نفسه "يخسر المعركة على الجبهتين".
ثلاثة سيناريوهات كارثية تنتظر "الجيش" الإسرائيلي
إذا استمر هذا الصراع، فسينتهي بـ"الجيش" الإسرائيلي إلى أحد ثلاثة سيناريوهات كارثية:
السيناريو الأول: انهيار القوة البشرية مع استمرار الحرب، حيث يضطر الجيش لتقليص عملياته أو الاعتماد على الاحتياط بشكل مفرط، مما يزيد الإنهاك وينهي قدرة إسرائيل على خوض حروب متعددة الجبهات.
السيناريو الثاني: استسلام القيادة العسكرية لمطالب الحاخامات، مما يؤدي إلى تهميش المقاتلات وفقدان الآلاف من المجنّدات اللواتي يشكّلن جزءاً أساسياً من القوة القتالية، ويُضعف صورة الجيش كجيش "شعب" ويحوّله إلى جيش "فئوي".
السيناريو الثالث: انقسام الجيش إلى فصائل متناحرة، بعضها يتبع الحاخامات والبعض الآخر يتبع المحكمة العليا، مما يؤدي إلى انهيار وحدة الجيش وفقدان تماسكه، وهو ما سيكون هدية مجانية للمقاومة في كل الجبهات.
الجيش ينهار من الداخل.. صراع الحاخامات والمقاتلات يسبق المعارك
ما يجري في "الجيش" الإسرائيلي اليوم هو درس قاسٍ للعالم أجمع: الكيان الذي يفقد تماسكه الداخلي، يفقد قدرته على البقاء، مهما كان جيشه قوياً. فـ"الجيش" الذي كان يُظن أنه رمز الوحدة الوطنية في "إسرائيل"، والذي بنيت حوله أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، أصبح اليوم مرآة تعكس كل انقسامات الداخل الصهيوني، وتفككه الداخلي: الديني ضد العلماني، الرجل ضد المرأة، الحاخام ضد القائد العسكري، والتيار الصهيوني الديني ضد المؤسسة العسكرية التقليدية.
اللافت أن هذا الصراع المدمّر يدور في الوقت الذي يحتفل فيه الكيان بـ"انتصاراته" الوهمية في ايران وغزة ولبنان، بينما جيشه يتفكك من الداخل بسبب نقص المقاتلين، وهوس الحاخامات، وتمرّد المقاتلات.
إنها سخرية القدر الأكثر إيلاماً للكيان: أن ينهار من كان يظن نفسه أقوى "جيش" في "الشرق الأوسط" على يد حاخاماته ومقاتلاته، وصراعهم على الدبابة التي تحولت إلى رمز للهوية، بدلاً من أن تبقى أداة للحرب. هذا الانهيار الرمزي له دلالات استراتيجية خطيرة تتجاوز حدود الثكنات العسكرية. فحين يفقد الجيش تماسكه الداخلي، يفقد قدرته على الردع، وتفقد "إسرائيل" ورقتها الأقوى في مواجهة من ترى فيهم اعدائها. المقاومة في إيران ولبنان وغزة واليمن تراقب هذا التفكك الداخلي باهتمام، وتدرك أن الكيان الذي ينهار من الداخل، لا يحتاج إلى من ينهيه من الخارج.
والأخطر من ذلك أن هذا الصراع يرسخ لدى القيادة الإسرائيلية حالة من العجز الاستراتيجي، حيث تنشغل القيادة العسكرية بحل أزماتها الداخلية بدلاً من التفرغ لمواجهة التحديات الخارجية. رئيس الأركان يحذّر من انهيار الجيش، والحاخامات يهددون بسحب مقاتليهم، والمقاتلات يرفعن صوتهنّ بالمطالبة بالمساواة، وفي المقابل، الكل يراقب ويستعد لإستغلال هذه اللحظة التي يظهر فيها "الجيش" الإسرائيلي بأضعف حالاته.
الأكيد أن هذا الصراع الداخلي لن يبقى محصوراً داخل "الجيش"، بل سيمتد إلى الداخل الإسرائيلي بأكمله، وسيزيد من حالة الاستقطاب والانقسام التي يعاني منها الكيان أصلاً. فـ"الجيش" الذي كان يُعتبر الملاذ الأخير لـ"الوحدة الوطنية"، أصبح اليوم ساحة معركة جديدة بين التيارات المتناحرة، وهذا ما يهدّد وجود الكيان نفسه في المدى البعيد.
"الجيش الإسرائيلي" لم يعد بحاجة إلى أعداء، فهو ينهار بنفسه وبصراعاته الداخلية. وكلما طال أمد هذه الصراعات، كلما اقتربت ساعة السقوط الحقيقي.
/إنتهى/