أمل شبيب
منذ ساعات الليل حيث لم يعرف المشيعون النوم منذ 3 ليالي، منذ ساعات الفجر الأولى بدأت الجموع تتدفق كالسيل، من كل درب، ومن كل مكان، ومن كل بقعة في هذا البلد ليشهدوا الحدث الأكبر في تاريخ العصر.
الحشود التي أتت إلى هنا لم يتركوا بيوتهم بدافع العادة، لم يلتفتوا إلى الحر ولم يتوقفوا عند حدود التعب ولم يأتوا بتكليف أو إجبار، بل جاءوا بدافع الإيمان الذي لا يتزعزع، وبالحب الذي لا يعرف الحدود، وبالوفاء الذي يليق برجل كان للأمة روحاً، وللثورة عمقاً، وللمقاومة عنواناً.

إنها الملايين التي خرجت لتشيع قائداً صنع التاريخ، وعاش عمره في جبهات الحق، وضحّى بكل غال ونفيس في سبيل الله والأمة. قائد جمع بين الفقه والسياسة، والحكمة والشجاعة، والعلم والعمل، والأبوة الحانية والقيادة الصارمة.
في شوارع طهران الآن وتحديداً في ميدان الثورة (ميدان إنقلاب)، يختلط الزحف البشري بالبكاء، وتتحد الأصوات في هتاف "لبيك يا خامنئي"، "القائد الخامنئي لم يمت، هو حيّ فينا، وهيهات منّا الذلة، وترتفع الأكف نصرة لاوطن، وتنهمر الدموع كالسيل، وكأن الأرض تهتز تحت أقدام هذه الجموع التي تجاوزت كل التوقعات، لتؤكد للعالم أجمع أن هذه الأمة لا تموت، وأن العهد مع القائد لا ينتهي برحيله، بل يتجدد في كل خطوة، وفي كل دمعة، وفي كل هتاف.
اليوم، طهران لا تشيع قائداً فقط، بل تشيع استثناء، وتجدد بيعة، وتكتب فصلاً جديداً من فصول العشق والوفاء.

هذا المشهد الذي رأته العيون اليوم، النساء والرجال والأطفال والشيوخ والأعلام التي تُرفع، سيظل محفوراً في ذاكرة التاريخ، وكأن الأمة بأكملها قد اجتمعت على قلب واحد، لتقول للعالم: إيران باقية، والمقاومة مستمرة، والعهد مع الشهداء لا يُخان.
الفجر اليوم لم يكن كأي فجر، استفاقت طهران على وقع أقدام الملايين. الشوارع امتلأت، والميادين ضاقت، والقلوب امتلأت بالدعاء. ليست طهران الآن تلك المدينة المزدحمة التي نعرفها، بل هي كائناً حياً يتنفس حزناً، وينبض وفاء، ويصرخ عشقاً لقائد كان هو الروح والدم، والقلب النابض لهذه الأمة.
طهران اليوم ليست طهران، إنها بحر من البشر، تغص به الميادين وتتسع له الشوارع، وتتلاطم فيه الأمواج البشرية وكأنها أمواج بحر هائج، الجميع اليوم على قلب واحد، وكلهم على كلمة واحدة: "لبيك يا خامنئي".

هذا الزحف البشري الذي لا يتوقف، يحمل مسيرة لا تنتهي من ميدان آزادي إلى شارع دماوند، ومن شارع الثورة إلى جامعة طهران، ومن كل زاوية في العاصمة، المشهد واحد: جموع لا تحصى، وهتافات تملأ الفضاء، وأعلام إيران تُرفرف فوق رؤوس الملايين، يكسوها السواد حداداً على قائد استشهد، لكنه ترك خلفه أمة لا تموت، وقضية لا تنتهي، وعهداً لا يُخان.
ليس الحضور إيرانياً فحسب، بل هو اليوم عربياً وإسلامياً ودولياً، من كل بقعة تحمل في قلبها حب هذا القائد. من كل دول العالم ومن كل بلد يعرف معنى المقاومة وثمن الكرامة، جاؤوا ليقدموا واجب العزاء، ويجددوا البيعة، ويؤكدوا أن هذه الأمة لن تنكسر، وأن راية الحق التي رفعها هذا القائد ستظل مرفوعة عالية، مهما تكاثرت الخطوب وتزاحمت التحديات.
الملايين التي خرجت اليوم، لم تخرج لتشييع قائد فقط، بل خرجت لتكتب وصية بدمائها ودموعها، بأن العهد باق، وأن الطريق مستمر، وأن هذا القائد سيظل حياً في قلوبهم، مهما طال الزمن، ومهما اشتدت المحن. خرجت لتقول للعالم أجمع: إن إيران باقية، وإن المقاومة مستمرة، وإن الدماء التي سُفكت لن تذهب هدراً.
في هذا اليوم العظيم، حيث اختلط البكاء والنصرة، والدموع بالدماء، والألم بالأمل، والوداع بالعهد، لم يكن التشييع مجرد مراسم، بل كان ثورة في الوفاء، وحرباً في الصبر، ومعركة في الإيمان. من يأتي إلى المياديت التي استعدت منذ أكثر من عشرة أيام لهذا اليوم، سيرى بعينه ويسمع بإذنه، كما رأى العالم كله، كيف تموت الأجساد وتبقى الأرواح، وكيف يرحل القادة وتظل مدرستهم خالدة، وكيف تتحول الدماء الزكية إلى وقود للمقاومة لا ينضب.

الموكب المهيب الذي انطلق بين جموع المشيعين من جامعة شريف إلى ميدان الحرية ( ميدان آزادي) وتعالت معه الأصوات وتوقفت معه القلوب حمل سؤالاً على ألسنة المشيعين: كيف نودع قائداً كان لنا كل شيء؟ كيف نقول وداعاً لمن علمنا كيف نعيش، وكيف نموت، وكيف ننتصر؟
لكن الجواب الذي خرج من قلوب الملايين كان واضحاً وصريحاً: نحن لم نودعه، بل حملناه في قلوبنا، وسنبقى على عهده، ونواصل دربه، درب العزة والكرامة، درب الاستقلال والمقاومة، حتى نبلغ ما وعدنا الله به: النصر أو الشهادة.
المشهد التاريخي اليوم لم يُختم، الكلمات هنا عاجزة عن وصف ما تراه العيون، لكن القلوب تعرف، والعيون تدمع، والأرواح تشهد، بأن هذا القائد الاستثنائي لم يغب، بل أصبح أكثر حضوراً، وأقوى تأثيراً، كما هي سنة القادة الربانيين الذين تمتد رسالتهم بعد شهادتهم ولا تنتهي بها.
هتافات تتصاعد كالرعد، تخرج من قلوب مفطورة، وكأن الملايين يقولون بصوت واحد: "لن يذهب دمك هدراً يا سيدنا"، في كل ميدان، وفي كل شارع، الصوت الأقوى هو صوت الثأر. شعارات يرددها الجميع: النساء والأطفال، والشيوخ والشباب، والعلماء والمقاتلون، وكأن الأمة بأكملها تحولت إلى جيش واحد يرفع راية الثأر والإنتقام، مؤكداً أن هذه الدماء الطاهرة ستكون وقوداً لمرحلة جديدة من المواجهة، لا هوادة فيها ولا تراجع.

هتافات تختلط بالدموع، وتتحدى كل من ظن أن اغتيال القائد سيكون نهاية الطريق، هي إعلان بأن البداية الحقيقية قد حانت، وأن دماء القائد الشهيد ستكون شرارة انتفاضة كبرى، لا تعرف الحدود، ولا تهاب الموت، ولا تنتظر إذناً من أحد.
الجميع يرددون: دماء القائد التي أريقت على تراب طهران، ستكون كدماء الحسين (ع)، تبقى حية في الضمير، وتتحول إلى زاد لكل ثائر، ونور لكل مجاهد.
وكما قال السيد القائد الشهيد يوما" :"الدماء لا تذهب هدراً" ، الملايين اليوم يستذكرونها، وكأنهم يقطعون عهداً مع روحه الطاهرة، بأن هذه الدماء ستكتب نهايات غير التي رسمها الأعداء، وأن الثأر قادم، لا محالة، مهما طال الزمن، ومهما اشتدت المحن.
وداعاً يا سيدنا، وداعاً يا إمامنا، وداعاً يا قائد الأمة، عهدك باق، والمسيرة مستمرة، وسنبقى كما تحب، أوفياء لدمائك، ومخلصين لنهجك، وماضين في طريقك، مهما تكاثرت الخطوب، وتزاحمت التحديات.
/إنتهي/