أمل شبيب
طوال 5 أيام، سارت الجموع خلف قائدها، من طهران إلى قم، ومن النجف إلى كربلاء، حتى فتحت المدينة المشهدية ذراعيها لتضم الجثمان الطاهر، لكنها لم تكن مجرد مدينة تستقبل جثماناً، بل كانت قلباً ينبض بالحزن، وروحاً تفيض بالوفاء، وجموعاً تخرج من كل حدب وصوب، لتقول للعالم: "ها هو قائدنا يودّع، لكننا لن ننسى، ولن نترك، ولن نهدأ حتى نأخذ ثأره".
"وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"، هكذا كان المشهد، وكأن الآية تتجسد على الأرض. الناس يأتون من كل فج عميق، من كل مدينة وقرية، ومن كل بقعة في هذا البلد العظيم، بل من كل بقعة في العالم، لتشييع قائد صنع التاريخ، وعاش عمره في خدمة الأمة. وكأن الله أراد أن يريهم هذا المشهد، ليعرفوا أن حب القادة الصادقين يجمع القلوب، ويوحد الصفوف، ويصنع المعجزات.

مشهد... المدينة التي ارتدت السواد
لم تكن مشهد في ذلك اليوم مجرد المحطة الأخيرة في مراسم التشييع، بل بدت وكأنها مدينة أوقفت الزمن عند لحظة وداع. المدينة التي تستقبل ملايين الزائرين على مدار العام، فتحت أبوابها هذه المرة لإستقبال حشود جاءت من مختلف المدن الإيرانية، ومن خارجها، لتشارك في مراسم اتسمت بحضور شعبي واسع ورسمي أوسع.
كان اللون الأسود هو اللغة الوحيدة التي تتحدث بها المدينة. الرايات ارتفعت فوق المباني، والأقمشة انسابت على الواجهات، حتى بدا أن المدينة استبدلت ألوانها المعتادة بلون واحد، فيما كانت الوجوه تمضي بصمت ثقيل، لا يقطعه إلا صوت المشيّعين هناك، وكأن المكان كله كان يعيش إيقاعاً واحداً.
منذ ساعات الفجر الأولى، بدأت الطرق المؤدية إلى حرم الإمام الرضا (ع) تمتلئ بالمشيعين. لم تكن الجموع تسير على عجل، بل بخطوات هادئة وثابتة، وكأن الجميع يحاول إطالة الطريق وتأجيل لحظة الوداع الأخيرة. وعلى امتداد الشوارع، وغطت لافتات العزاء واجهات المدينة، لتبدو مشهد وكأنها ارتدت ثوباً واحداً ينسجم مع طبيعة المناسبة.
لم يكن الصمت كاملاً، ولم يكن الضجيج طاغياً. كانت أصوات تلاوة القرآن والأدعية تتداخل مع الهتافات، فيما يخيّم على الوجوه وقار يعبّر عن طبيعة اللحظة. رجال ونساء، كبار في السن وشباب، وعائلات بأكملها اصطفوا على جانبي الطرقات، يحمل بعضهم صوراً ولافتات، والبعض الآخر يبكي ويندب حزناً.
ومع اقتراب مراسم التشييع، اتسعت رقعة الحشود في محيط الحرم والشوارع المؤدية إليه، حتى بدا المكان وكأنه لوحة بشرية متصلة يصعب تمييز بدايتها من نهايتها. ومن أعلى المباني، كانت الصورة تكشف امتداداً واسعاً للجموع، فيما تحولت الساحات إلى مساحات يغلب عليها اللون الأسود، لون الحداد الذي وحّدهم.
وجوه تروي حكايات الحزن، وعيون لا تجفّ
ما رأيته في عيون الناس لم يكن مجرد حزن، بل كان شيئاً أعمق من ذلك. كان عشقاً، ووفاء، وإيماناً، ويقيناً بأن هذا القائد لم يغب، بل أصبح أكثر حضوراً.
رأيتُ عجوزاً تجلس على الرصيف، تمسك بمسبحتها، ودمعها يسيل على خديها، وهي تردد: "يا سيدنا، يا قائدنا، لماذا تركتنا؟". رأيتها تحدق في السماء، وكأنها تراه هناك، في مكان أعلى من كل الأماكن. كانت تهمس بكلمات لا تسمعها إلا الملائكة، وهي تودّع من كان لها كل شيء.
ورأيت أما تحمل طفلها على كتفيها، وترفع يدها بالدعاء، وكأنها تطلب من الله أن يتقبل قائدها في عليين. كانت تبكي بصمت، لكن الدموع كانت تسبقها.
ورأيتُ الشباب والنساء والشيوخ يبكون بصوت مسموع، يصرخون: "لبيك يا خامنئي"، وكأن صرختهم تزلزل الجبال. يضربون صدرهم، ويهتفون، وكأنهم يريدزن أن يوقظوا العالم كله على حجم الفاجعة. كانت الوجوه مشتعلة بالغضب والحزن، يعدون العدو باليوم الذي سيأتي يدفعون فيه الثمن. ورأيتُ نساء يلطمن وجوههن، ويبكين بدموعٍ لا تتوقف، وكأن كل امرأة فقدت ابناً، أو أخاً، أو أباً.
هكذا كان الحزن يلف الجميع، لكنه لم يكن حزناً عادياً، بل كان حزناً ممزوجاً بالفخر، والعزة، والثأر، واليقين بأن هذه الدماء لن تذهب هدراً، وأن هذا القائد سيبقى حياً في قلوبهم، مهما طال الزمن.

الليالي كانت أطول من الأيام
لم تنم مشهد تلك الليالي، ولا الليالي التي تلتها. كان الناس يبيتون في الشوارع، وينتظرون الفجر، وينتظرون لحظة الوداع. لم يكن هناك من يغلق باب بيته، ولا من يخلد إلى النوم، ولا من يشعر بالراحة. كان الكل يبحث عن مكان قريب من الحرم، عن زاوية يقف فيها، عن لحظة يودع فيها القائد الكبير. كانت مشهد كالجسد الواحد، تتنفس الحزن، وتتحدث بالبكاء، وتبكي بصوت واحد لا يهدأ.

يوم الخميس.. التشييع الذي هزّ السماء
كان من المقرر أن تبدأ مراسم التشييع الساعة السادسة صباحاً، لكن تأخر الموكب القادم من العراق، وتوافد الملايين من كل مكان، جعل التأجيل ضرورياً. فتأجلت المراسم إلى الساعة الثانية بعد الظهر.
لكن ذلك لم يثنِ الناس عن الانتظار. بل كانوا يصبرون، ويدعون، ويبكون، ويرددون الهتافات. كانوا ينتظرون بصبر وجلد، وكأنهم يقولون لقائدهم: "نحن هنا، ولن نغادر حتى نودعك". ومع مرور الساعات، ازدادت الأعداد، وامتلأت الشوارع، ولم يعد هناك مكان للوقوف، ولا مكان للتنفس.
وعندما انطلق الموكب، كان المشهد مهيباً جداً، فالملايين كانوا يسيرون خلف النعش، والملايين كانوا يبكون، والملايين كانوا يرددون: "لبيك يا خامنئي". الأعلام السوداء كانت ترفرف، والرايات الحسينية كانت تعلو، والإعلام الإيرانية تلف المكان، والهتافات كانت تزلزل السماء. كان الموكب يسير ببطء، وكأن الوقت يريد أن يطول ليظل القائد بينهم أطول فترة ممكنة.
كان المشهد أشبه بيوم القيامة، حيث تتجمع الأرواح لتودع جسداً طاهراً، وتبقى العهود. والكل كان يشعر بأنه يودع جزءاً من نفسه، وأن هذه اللحظة لن تتكرر، وأن هذه الدمعة هي آخر ما يمكن أن يقدمه لهذا القائد العظيم.
داخل الحرم.. لحظة الصمت الأبدي
عندما دخلت الحرم الشريف، شعرت أنني في مكان مقدس أكثر من أي وقت مضى. الجموع كانت تغص بكل ركن، وكل زاوية، وكل صف. السواد كان يكسو المكان، والهتافات كانت تتعالى، والدموع كانت تنهمر كالسيل. الحرم الذي كان يزدحم بالزوار طوال العام، بدا اليوم وكأنه يضيق بالملايين الذين جاؤوا لتوديع قائدهم.
صوت تلاوة القرآن ملأ المقام الرضوي، والآيات رتّلت وكأنها تنزل للمرة الأولى، تحمل معها رحمة خاصة لهذا القائد العظيم.
ثم كانت كلمات الوداع، وقراءة العزاء، وكل كلمة تخرق القلوب، وتزيد البكاء، وتجعل المشهد أكثر حزناً وأكثر مهيباً. تحدثوا عن سيرته، وعن جهاده، وعن تضحياته، وعن علمه، وعن تواضعه، وعن حبه للأمة، وعن كل ما قدمه للإسلام والمسلمين.
وبعدها، كانت الصلاة على الجثمان الطاهر حيث الملايين ، يصلون على قائدهم، يودعونه صلاة أخيرة. وبعد الصلاة، وري الجسد الطاهر الثرى إلى مثواه الأخير، انفطرت معه القلوب وتعالت الأصوات بالبكاء، والهتافات وعدت بالثأر، وتوعدت "دونالد ترامب و"نتنياهو" بالثأر. لحظات لا يمكن وصفها، تجمعت فيها كل مشاعر الحب والوفاء والحزن والألم، لحظة قال فيها الجميع وداعاً لقائد كان لنا كل شيء.
هكذا كان تشييع القائد الكبير، وهكذا كان الوداع، لم يكن نهاية، بل بداية، الجسد غاب، لكن الروح ما زالت حية، التراب ضم الجثمان، لكن القضية ما زالت تنتظر من يحملها. الإمام الخامنئي (رضا) لم يغب، بل أصبح في كل مكان، في كل قلب، في كل دعاء، في كل دمعة.
دار الذكر تحتضن الشهيد.. وعائلته إلى جواره
وفي ختام هذا المشهد المهيب، وبعد أن ودّع الملايين قائدهم بصلاة الجنازة والدموع الغزيرة والهتافات الثائرة، حانت اللحظة الأكثر وجعاً، لحظة إنزال الجسد الطاهر إلى مثواه الأخير.
لم يوارى الثرى الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في أي مكانٍ عادي، بل في "دار الذكر"، ذلك المكان المقدس في حرم الإمام الرضا (ع) المطهر، حيث تبقى الأرواح، ويخلد العشق، وتستقر النفوس الطاهرة بجوار إمام من أئمة أهل البيت (ع).
وبجواره، في المشهد نفسه، يرقد من استشهد معه من عائلته، ممّن كانوا إلى جانبه في ساعاته الأخيرة، فكانوا معه في الحياة، وكانوا معه في الشهادة.
وهكذا، في دار الذكر، وفي جوار الرضا، خُتمت رحلة قائدٍ استثنائي، لكن العهد معه لم يُختم، بل بدأ من حيث انتهى الجسد، واستمر في قلوب الملايين الذين سيبقون أوفياء لدمائه، ومخلصين لنهجه، وماضين في طريقه، مهما تكاثرت الخطوب، وتزاحمت التحديات.

مشهد ودّعت قائدها.. لتستقبل عهداً جديداً
بعد التشييع والدفن، وقف الجميع لتجديد العهد، والتأكيد أن هذه الدماء لن تذهب هدراً، وأن هذا القائد سيبقى حياً في قلوبهم إلى الأبد.
لبست مشهد ثوب السواد، واكتست بالحزن، وامتلأت بالدموع، لكنها في العمق كانت مدينة العهد، مدينة الوفاء، مدينة الثأر، مدينة الاستمرار. والكل خرج منها وهو يحمل في قلبه رسالة: أن الثأر قادم، وأن العهد باقٍ، وأن القضية مستمرة.
وعندما انتهت المراسم، لم يكن المشهد أشبه بنهاية حدث، بقدر ما بدا ختاماً ليوم سيبقى حاضراً في ذاكرة من شاركوا فيه. غادرت الحشود بهدوء، فيما بقيت الرايات السوداء معلقة فوق شوارع المدينة، وبقيت آثار ذلك اليوم حاضرة في تفاصيل المكان، الذي عاش ساعات استثنائية طبعتها كثافة الحضور واتساع المشاركة.
وداعاً يا سيدنا، وداعاً يا إمامنا، وداعاً يا قائد الأمة، العهد باقٍ، والمسيرة مستمرة، سيبقى الجميع كما تحب، أوفياء لدمائك، ومخلصين لنهجك، وماضين في طريقك، مهما تكاثرت الخطوب، وتزاحمت التحديات.
/إنتهى/