(فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)
د. قحطان الظالمي _صحفي

هناك رجال يمرون في صفحات التاريخ كأسماء وأحداث وهناك رجال يتحولون إلى حالة وجدانية تسكن القلوب والعقول فتغدو كلماتهم جزءا من الذاكرة ومواقفهم جزءا من الهوية وحضورهم جزءا من الشعور بالأمان والثبات ومن هذا الصنف من الرجال تأتي الشخصيات التي لا يُقاس أثرها بالمناصب ولا بالسلطة بل بما تتركه من بصمة روحية وفكرية وأخلاقية في حياة الناس.
وإن الإمام السيد علي الخامنئي أنه كان نموذجا للقائد الذي جمع بين الفكر والعمل وبين العقيدة والممارسة وبين القيادة والتواضع حتى أصبح رمزا دينيا وفكريا وأخلاقيا ارتبط بمشروع بناء الإنسان قبل بناء الدولة وبإحياء القيم قبل تحقيق المكاسب.
أن وظيفة الأنبياء لم تكن مجرد إدارة المجتمعات وإنما صناعة الإنسان المؤمن وتربية النفوس على التقوى والصدق والصبر والأخلاق قال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .
أن السيد الخامنئي جعل محور خطابه الدائم هو بناء الإنسان المؤمن الواعي فكان يؤكد على الصلاة والدعاء والقرآن والأخلاق والعمل الصالح ويربط القوة المادية بالقوة المعنوية ويرى أن المجتمع لا يُبنى بالسلاح والاقتصاد فقط وإنما بالإيمان والوعي والثقافة والالتزام.

ولعل أبرز ما ميز خطابه أنه لم يكن خطابا سياسيا مجردا بل كان خطابا أخلاقيا وتربويا فكم من مرة دعا الشباب إلى تزكية النفس وكم من مرة أكّد على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله وكم من مرة شدد على أن المسؤولية الحقيقية تبدأ من إصلاح الإنسان لنفسه قبل إصلاح الآخرين.
لقد كان يؤكد دائما أن العلاقة بالله هي أساس كل نجاح وأن الإنسان إذا فقد البعد الروحي فقد جوهر وجوده مهما امتلك من أدوات القوة ولذلك كان يحث على قراءة القرآن وإحياء المناسبات الدينية والارتباط بسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام باعتبارهم النموذج الأكمل للأخلاق والعدالة والرحمة.
وكانت مدرسة أهل البيت عليهم السلام حاضرة في معظم مفاصل خطابه ليس بوصفها تاريخا يروى بل مشروعا يعاش فالإمام علي عليه السلام عنده كان نموذج العدالة والحاكم المسؤول والإمام الحسن عليه السلام نموذج الحكمة والإمام الحسين عليه السلام رمز التضحية والثبات والسيدة الزهراء عليها السلام مدرسة الطهر والعطاء والأئمة الأطهار عليهم السلام منارات هداية للأمة في مختلف العصور.
ولم يكن حديثه عن هذه الشخصيات المقدسة مجرد حديث نظري بل كان يدعو إلى الاقتداء العملي بها وإلى ترجمة مبادئها في الحياة اليومية وفي إدارة الدولة وفي التعامل مع الناس.
وامتازة ببساطة عيشه وزهده فمع أنه يتولى موقعا كبيرا ظل يقدَّم في الروايات المتداولة بين أنصاره مثالا على الحياة البسيطة والابتعاد عن مظاهر الترف وقد رأوا في ذلك تطبيقا لقول أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام "أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر".
ولهذا كان كثيرون يرون فيه صورة القائد الذي يعيش هموم الناس ولا ينفصل عن واقعهم ويؤمن بأن المسؤول ينبغي أن يكون خادما للمجتمع لا متعاليا عليه.

كما كان يؤكد باستمرار على أن رجال الدولة يجب أن يكونوا قريبين من عامة الناس وأن يشعروا بآلامهم وحاجاتهم وأن يكونوا قدوة في النزاهة والتواضع والانضباط فالمسؤول في نظره ليس صاحب امتيازات بل صاحب تكليف ومسؤولية أمام الله والتاريخ والشعب.
ومن هنا تشكلت لدى الكثير من محبيه صورة القائد الذي حاول أن يربي الأجيال على قيم التضحية وخدمة المجتمع والعمل من أجل المصلحة العامة بعيدا عن الأنانية والمكاسب الشخصية
أما على المستوى الأسري فإن الصورة التي يتداولها عشاقة تركز على البساطة والانضباط والتربية الدينية وأنه كان حريصا على أن تكون الأسرة جزءا من المشروع الأخلاقي الذي يدعو إليه لأن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح الأسرة وإصلاح الأسرة يبدأ من إصلاح النفس.
ولذلك كان كثيرا ما يؤكد أن التربية ليست كلمات تُقال وإنما سلوك يُمارس وأن الأبناء يتعلمون من القدوة أكثر مما يتعلمون من النصائح.
وحين يتأمل الإنسان هذه الصورة تتبادر إلى الذهن آيات كثيرة من القرآن الكريم تتحدث عن الصالحين والمتقين وأهل الإيمان ومنها قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)
وقوله تعالى:
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}
/إنتهي/