أمل شبيب
في زمن أصبحت فيه السياسة الأميركية أشبه بلعبة خطيرة بيد رئيس لا يُحسب لأي تصرف حساب، ولا يبالي بعواقب أفعاله على العالم، نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية مقالاً للكاتب سايمون تيسدال، وصف فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه "سلاح دمار شامل متنقل" و"الخطر الأكبر على العالم".
لم يكن هذا وصفاً عابراً من كاتب غاضب، بل قراءة نقدية حادة ومدروسة لسياسات ترامب تجاه إيران والمنطقة، خلصت إلى أن "حب ترامب لذاته، وليس إيران، هو العدو العالمي الأول"، وأنه السبب الرئيسي وراء تصاعد الحرب بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وأن غروره الأعمى هو ما يضع العالم في خطر حقيقي، وليس أي برنامج نووي أو أي قوة إقليمية .
كيف وصفت "الغارديان" ترامب بسلاح الدمار الشامل المتنقل؟ وكيف تناولت جرائم ترامب في المنطقة، وكشفت حقيقة رئيس أعمى الغرور بصره عن تبعات أفعاله، وأصبح هو الخطر الأكبر، وليس أي خصم آخر، وأن الولايات المتحدة التي كان ينظر إليها كقوة عظمى، أصبحت تحت قيادته أداة لحروب لا نهاية لها، ومصدراً لعدم الاستقرار العالمي .
الإمبراطور العاري في واشنطن: ترامب يقود أميركا إلى الهاوية
يقول تيسدال في تحليله إن ترامب دفع بالولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة مع إيران من دون استراتيجية واضحة، مما أدى إلى تصعيد الصراع وإضعاف مكانة واشنطن الدولية . ففي الوقت الذي يحسب فيه العالم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة لمغامرته، يسخر الجميع من عجز الولايات المتحدة، ويصف الكاتب تصريحات ترامب ووزير حربه بيت هيغسيث حول "الفوز الكبير" بأنها لا تنسجم مع الواقع، لأن الأهداف الأميركية الكبرى - القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف حلفاء طهران، وتغيير النظام - أصبحت أقل قابلية للتحقيق من أي وقت مضى .
ويُقرّ المقال بأن السيطرة على مضيق هرمز، الذي أُغلق بسبب تهور ترامب، أصبحت الهدف المحدود والمراوغ للبيت الأبيض، لكنه يؤكد أن ترامب يفضل تعريض المدنيين والقوات الأميركية لحرب استنزاف لا يمكن الانتصار فيها، وإضعاف حلفاء الولايات المتحدة، والإضرار بالاقتصاد العالمي، والمخاطرة بمجاعة مدمرة في الدول النامية، و"إسعاد الطغاة في موسكو وبكين"، وتقويض القانون الدولي، وإلحاق الضرر بالحزب الجمهوري انتخابياً، بدلاً من الاعتراف بخطئه والسعي إلى تسوية دبلوماسية عبر محادثات السلام المتوقفة .
"إن حب ترامب لذاته، وليس إيران، هو العدو العالمي الأول. فهو السبب الرئيسي وراء تصاعد هذه الحرب بشكل خارج عن السيطرة. إنه سلاح دمار شامل بشخص واحد."
وهو ما أكده كبار المسؤولين العسكريين السابقين، الذين حضّروا تقارير سرية عن تداعيات الحرب، وخلصوا إلى أن ترامب يتجاهل النصائح العسكرية والفنية، ويتخذ قراراته بناء على نزواته الشخصية وتقديره الخاطئ للقدرات الإيرانية .
ترامب والقانون الدولي: رئيس يهدد بالقتل الجماعي ويسخر من جرائم الحرب
لم تقتصر خطورة ترامب على تهوره، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد صريح بإرتكاب جرائم حرب. ففي خطاباته، هدد ترامب بشن هجمات واسعة النطاق على "محطات توليد الطاقة المدنية والجسور في إيران"، وقال إنه قد يتم القضاء على البلاد بأكملها في ليلة واحدة.
وعندما سُئل عن احتمال ارتكاب جرائم حرب، أجاب ببرود: "لست قلقاً بشأن ذلك"، وأضاف ساخراً: "هل تعرف ما هي جريمة الحرب؟ امتلاك سلاح نووي".
هذه التصريحات وضعت الضباط والجنود الأميركيين أمام معضلة أخلاقية وقانونية، حيث أكد خبراء قانونيون أن تنفيذ مثل هذه الأوامر سيجعلهم شركاء في جريمة حرب، ويضعهم أمام خيارين: العصيان أو التواطؤ في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
ولم تقتصر التهديدات على إيران، بل امتدت إلى اليمن ولبنان، حيث هدد بقصف البنى التحتية المدنية والجسور والمستشفيات، في إشارة واضحة إلى تجاهل كل القوانين الدولية التي تحظر استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وكأنه يعلن للعالم أنه فوق القانون .
من يخدم من؟ الانعكاس الصادم: واشنطن أداة لحرب إسرائيلية
يكشف المقال أن المفارقة الأغرب تكمن في أن ترامب خاض حرباً لأجل "إسرائيل"، وجعل الولايات المتحدة الأداة العسكرية والمالية لحرب نتنياهو، وهو انعكاس صادم في التاريخ الأميركي الحديث، حيث يخوض رئيس يُفترض أنه "الوطني" حرباً ليست لأجل أميركا، بل لأجل رئيس وزراء إسرائيلي يواجه تهماً بجرائم حرب في غزة .
وتشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن "نتنياهو"، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، أطلق الهجوم دون أن يحسم ملف غزة أو يعيد المحتجزين، ودون تحضير دولي كاف، لتكون النتيجة خطر الاستنزاف على جبهتين، مع غياب قيادة تقدم مخرجاً حقيقياً . كما أن وزراء حكومته مثل "بتسلئيل سموتريتش" و"إيتمار بن غفير" يدفعون نحو توسيع الحرب وتصعيدها دون حسابات سياسية أو دولية، وهو ما يضع ترامب في مواجهة مع حلفائه المتطرفين .
ويلمح محللون إلى أن "نتنياهو" قد يفقد زمام القرار في هذه المعركة، وأن الكلمة الفصل بشأن مستقبل الحرب قد تصبح بيد "ترامب"، الذي تتجه الأنظار نحوه باعتباره اللاعب الحاسم في هذا المشهد، خاصة بعد تصريحاته الأخيرة التي اتهم فيها نتنياهو بـ"الجنون" وبـ"تعريض محادثات السلام مع إيران للخطر" .
ترامب وملفات السلام: وعود بلا أفعال، وحروب بلا مخرج
يتوقف الكاتب عند فشل خطة ترامب للسلام في غزة، مشيراً إلى أن خطته الكبرى ذات العشرين نقطة لم تحقق أي تقدم في إعادة الإعمار أو نزع السلاح، وأن القوات الإسرائيلية ترفض الانسحاب، والمساعدات الإنسانية ما زالت معطلة، وقُتل أكثر من ألف فلسطيني منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر .
وهذا النمط من الإخفاق يتكرر في تدخلات ترامب غير المفيدة في الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث تجاهل الأسباب الجذرية للصراع، وفضل الطرف الذي اعتبره أقوى، وحاول الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقبول شبه استسلام، وعندما فشل، أدار ظهره لكييف، رغم أنه ما زال يحاول، لأسباب لا يفسرها، استرضاء بوتين.
وهذا النمط من الغباء السياسي ونفاد الصبر وعدم المسؤولية يتكرر الآن في إيران، حيث يبدو ترامب وكأنه يتعلم من أخطائه بأبطأ طريقة ممكنة، إن كان يتعلم على الإطلاق .
ترامب يضرب إيران فيُقويها.. ويُشعل البحر الأحمر فيُرهق العالم
ويضيف الكاتب في المقال محذراً، أن استمرار القصف يعزز تماسك إيران، ويمنح روسيا والصين مكاسب استراتيجية، ويفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية العالمية . فكلما زاد القصف، أصبح النظام أكثر تصلباً، وتصاعد الصراع واتسع، وابتعدت أكثر إمكانية حل القضية النووية التي تقول الولايات المتحدة و"إسرائيل" إنها جوهر المشكلة .
كما أن القوات المسلحة اليمنية، المدعومة إيرانياً برأي الكاتب، قد تهدد البحر الأحمر، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الضغوط الاقتصادية على الدول النامية، التي تعاني بالفعل من تداعيات الحرب الأوكرانية وأزمة الغذاء العالمية . وهذا ما حذرت منه وكالات الأمم المتحدة، التي أشارت إلى أن استمرار الحرب في "الشرق الأوسط" قد يؤدي إلى مجاعة تهدد ملايين البشر في أفريقيا وآسيا .
ويرى الكاتب أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في قوة الخصوم، بل في غياب إستراتيجية واضحة لإدارة الأزمة، وفي أن حب ترامب لذاته هو العدو العالمي الأول. وبينما تتصدر إيران عناوين الأخبار كـ"العدو"، فإن القيادة الأميركية المتقلبة وغير المسؤولة قد تكون بالفعل التهديد الأكثر إلحاحاً .
من سيوقف ترامب؟
يختتم تيسدال مقاله بسؤال مصيري: "من سيوقف ترامب؟، مشيراً إلى أن الكونغرس طالب بوقف الحرب أو الحصول على تفويض رسمي، لكن ترامب يتجاهل ذلك . واستطلاعات الرأي تظهر أن غالبية الأميركيين تعارض هذه الفوضى التي تبلغ كلفتها 100 مليار دولار وتزيد التضخم، لكن ترامب يرفض الاستماع .
الحلفاء الأوروبيون ينظرون بقلق، وأعداء واشنطن يفرحون، والأسواق العالمية تخشى، وأسعار النفط ترتفع مجدداً. تتراجع سمعة الولايات المتحدة ونفوذها مع كل صاروخ يُطلق. من الصعب أن تكون قوة عظمى عندما لا يحترمك أحد .
وفي النهاية، تبقى معضلة ترامب قضية على الشعب الأميركي حلها. لقد انتخبوه، وهم من وضعوا العالم أمام هذا الخطر، وهم من قد يدفعون الثمن الأكبر. وكما قال توماس جيفرسون والآباء المؤسسون عام 1776: نحن شعوب العالم نعلن أن الحقيقة واضحة: بعيداً عن جعل أميركا عظيمة مجدداً، يجعلها ترامب أصغر، وأكثر قسوة، وأكثر انقساماً وعزلة وأقل حباً واحتراماً. "المطلوب بشكل عاجل الآن: إعلان استقلال عام 2026 عن ترامب ".
هكذا يمكن وبكل شفافية تقديم ترامب وكشف حقيقة رئيس جعل من الولايات المتحدة أداة لحرب نيابة عن دولة أخرى، ومن نفسه سلاح دمار شامل يتنقل بين ملفات العالم، تاركاً وراءه الدمار والخسائر وتراجع هيبة بلاده.
/إنتهى/