وكالة تسنيم الدولية للأنباء - هناك وجهات سياحية نراها بأعيننا فقط، لكن ثمة أماكن أخرى نعيشها بكل جوارحنا وتتغلغل في أعماقنا. مدينة "سامن" الجوفية هي أحد تلك الأماكن الساحرة؛ فقبل أن تبهرك عظمتها البصرية، يأسرك صمتها المهيب. هنا، في أحضان التراب، تنام مدينة تختزن في صدرها آلاف السنين من التاريخ، وتتحدث كل الجدران الصخرية والممرات والغرف فيها، لتروي فصولاً من كتاب الحضارة الإيرانية العريقة.
عندما تخطو خطواتك الأولى نحو أعماق الأرض، تشعر وكأنك تنفصل تدريجياً عن صخب العالم المعاصر. يتلاشى ضجيج المدينة شيئاً فشيئاً ليحل محله صمت عميق؛ صمت مخملي كأنه لا يزال يحفظ صدى خطى أناس عاشوا وتجولوا في هذه المسارات قبل قرون مضت. من هنا، يصنع الهواء العليل في الأسفل، ورائحة الصخور العتيقة، والضوء الخافت الذي يداعب الجدران المنحوتة، أجواءً ساحرة تأخذ الإنسان في رحلة آسرة إلى قلب التاريخ.

الاكتشاف الذي أذهل عالم الآثار
في عام 2005، وأثناء تنفيذ مشروع تمديد شبكة الألياف الضوئية في مدينة "سامن"، لم يكن أحد يتخيل أبداً أن شوارع هذه المدينة الصغيرة تنام فوق أحد أكثر الآثار التاريخية غموضاً في إيران. ولكن مع بدء التنقيبات الأثرية، انقشع الستار عن شبكة معقدة من الممرات، والغرف، والصالات الصخرية التي يعود تاريخ نواتها الأولى إلى ما قبل العهد الأشكاني (البارثي)، والتي شهدت توسعات ملحوظة عبر العصور التاريخية المختلفة.
لم يكن هذا الاكتشاف مجرد العثور على بضع غرف تحت الأرض، بل كان إماطة اللثام عن حضارة نجحت بأقل الإمكانيات في خلق شاهق إبداعي خالد في قلب الصخر الأصم. وخلال عمليات الحفر، تم العثور على هياكل عظمية لنحو 60 شخصاً، إلى جانب أوانٍ فخارية، ومسكوكات نقدية، وأختام، وإناء نحاسي منقوش، وأشياء ثمينة أخرى تروي كل منها جانباً من تفاصيل الحياة اليومية لسكّانها القدامى.

العمارة المولودة من رحم الصخر
تُمثل مدينة "سامن" الجوفية نموذجاً فريداً واستثنائياً لـ "العمارة المنحوتة في الصخر"؛ وهو فن لم تُستخدم فيه لبنة واحدة، ولا طابوق، ولا أي مواد بناء تقليدية، بل شُكلت جميع مساحاتها وفراغاتها عبر نحت صخور الجرانيت الصلبة. يمتد هذا المجمع الأثري على مساحة تتراوح بين 3 إلى 5 هكتارات، ويضم أكثر من خمسين فضاءً منحوتاً على عمق يتراوح بين مترين إلى ثمانية أمتار تحت سطح الأرض.
الممرات الملتوية، الصالات الفسيحة، الغرف المتعددة، المصاطب الصخرية، الرفوف الجدارية، فتحات الاتصال، ومواضع قناديل الزيت؛ كلها شواهد حية تعكس الدقة العالية، والمهارة الفائقة، والمعرفة الهندسية التي امتلكها هؤلاء البشر الذين أبدعوا هذه المعجزة قبل آلاف السنين. ولكل جزء من هذه المدينة طابعه الخاص؛ فبعض الغرف كانت تُستخدم على الأرجح لإقامة الطقوس الدينية، وبعضها الآخر كمقرات للاستراحة أو العيش، بينما تحول عدد منها في الفترات اللاحقة - لا سيما في العصر الإسلامي - إلى ملاجئ آمنة للحماية من الأخطار.
إن مدينة "سامن" لم تبح بعد بكل أسرارها؛ فالعديد من الممرات تنتهي بقطاعات لم يتم استكشافها بالكامل حتى الآن، ولا يزال علماء الآثار يواصلون جهودهم لكشف الروابط الغامضة بين المساحات المختلفة لهذا المجمع الفريد. هذا الغموض بالتحديد يضاعف من جاذبية هذا الأثر؛ لذا يشعر السائح أثناء عبوره الدهاليز الصخرية وكأنه يفك شفرات لغز ظل دفيناً في جوف الأرض لقرون طويلة، لغز قد لا نجد إجابات لجميع أسئلته بعد.

تجربة لا تُقرأ.. بل تُعاش وتُنفس
إن التجول في مدينة "سامن" الجوفية لا يشبه تقليب صفحات كتاب التاريخ، بل هو عيش في قلب التاريخ نفسه. تخيل نفسك وأنت تتحرك في ممر ضيق، وتحيط بك الجدران الصخرية من الجانبين، بينما تنعكس أضواء المصابيح الصفراء لتلقي بظلالها على الخطوط المنحوتة بدقة. الصمت يلف المكان، ولا تسمع سوى صدى خطواتك تتردد في الفضاء. عندما تلمس بيدك صخراً نُحت بأدوات بدائية بسيطة قبل آلاف السنين، ستشعر فجأة بأن الفجوة الزمنية بين الماضي والحاضر قد تلاشت، وأنك أصبحت واحداً من سكان تلك المدينة القديمة.
في "سامن"، لكل غرفة حكاية؛ حكاية بشر بنوا هذه الفضاءات للعبادة، أو للعيش، أو للاحتماء. كل منعطف في الممرات يذكي فضولك، وكل فتحة صغيرة هي بمثابة نافذة تطل منها على ماضٍ سحيق.

لماذا تُعد مدينة "سامن" وجهة سياحية رائدة؟
اليوم، لم يعد السياح يبحثون عن مجرد رؤية معلم تاريخي صامت، بل يتوقون لخوض تجربة مغايرة ولا تُنسى. وهذا تماماً ما تقدمه مدينة "سامن" الجوفية لزوارها؛ فهي واحدة من المدن الجوفية القليلة في إيران التي تتيح للزائر فرصة السير وسط مساحاتها الحقيقية ولمس العمارة المنحوتة عن قرب. هذه الميزة جعلت من "سامن" وجهة جاذبة ليس فقط لعشاق التاريخ، بل أيضاً لمحبي الطبيعة، والهندسة المعمارية، والتصوير الفوتوغرافي، ومغامرات الاستكشاف.

ومن جهة أخرى، فإن القرب الجغرافي لهذا المعلم من مدينتي "ملاير" و"همدان" يتيح تصميم مسارات سياحية متنوعة ومتكاملة. يمكن للزوار في رحلة واحدة - إلى جانب استكشاف هذه المدينة الغامضة - الاستمتاع بالجاذبية الطبيعية للمنطقة، وزيارة كرووم العنب الشهيرة، والأسواق المحلية النابضة بالحياة، والتعرف على الصناعات اليدوية التقليدية وغيرها من المعالم التاريخية المحيطة. هذه الإمكانات الواعدة من شأنها أن تسهم بشكل فعال في إنعاش الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل جديدة، وتطوير نزل الإقامة البيئية، والتعريف بالثقافة الغنية للمنطقة على نطاق أوسع.
علاوة على ذلك، فإن تنظيم المهرجانات الثقافية، والجولات الأثرية التخصصية، ومعارض الحرف اليدوية، والبرامج التعليمية الموجهة لطلاب المدارس والجامعات، سيعزز بلا شك من مكانة هذا الأثر الاستثنائي في قطاع السياحة الوطني والعالمي.

إرث للأجيال القادمة
إن مدينة "سامن" الجوفية لا تخص أهالي "ملاير" أو محافظة "همدان" وحدهم، بل هي جزء أصيل من الهوية التاريخية لإيران بأكملها. ومن هنا، فإن الحفاظ على مثل هذه الآثار هو صون لذاكرة آلاف السنين من الكفاح، والإبداع، والفكر الإنساني لبشر أبدعوا روائع خالدة دون الاستعانة بالتكنولوجيات الحديثة المعاصرة.
وكل سائح يزور هذا المعلم الفريد يصبح في الواقع سفيراً للتعريف بهذا الإرث الثمين؛ فكل صورة يلتقطها، وكل قصة يرويها، وكل ذكرة يحملها معه من "سامن"، هي خطوة مباركة نحو إبراز هذه الكنوز للعالم أجمع.

نهاية الرحلة.. وبداية الدهشة
عندما تصعد الدرج مجدداً وتستقبلك أشعة الشمس من جديد، ستشعر بأنك قد أنجزت رحلة استثنائية بكل المقاييس؛ رحلة لم تكن إلى مدينة أخرى، بل إلى عمق آلاف السنين في الماضي. رحلة إلى مدينة عاشت في صمت، لكنها اليوم تخاطبنا بلغة التاريخ البليغة.
تثبت مدينة "سامن" الجوفية أن عجائب إيران لا تقتصر على قمم الجبال الشاهقة أو بطون السهول الفسيحة، بل إن أكبر أسرار هذه الأرض قد تكون دفيئة تحت أقدامنا تماماً. لذلك، كل ما تحتاجه هو أن تمنح قلبك لعمق الأرض، لترى عظمة حضارة لا تزال تنبض بالحياة بعد ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، وتدعو كل مسافر لخوض رحلة العمر التي لا تُنسى.
/انتهى/