.
في زمنٍ كان فيه الصهاينة يظنون أنهم أصبحوا جزءاً من المنطقة، وبدأوا يحلمون بسلام يليق بأوهامهم، جاءتهم الحرب لتكشف ما كانوا يخبئونه تحت بساط الهدوء. ثلاث سنوات من القتال كشفت أن الكيان الإسرائيلي لم يكن محاطاً بحلفاء، بل بنار، وأن السلام الذي تحدثوا عنه لم يكن سوى وهم، والآن، هم منبوذون في كثير من أنحاء العالم.
لكن التحليل العكسي هنا لا يسأل: هل "إسرائيل" منبوذة؟ بل يسأل: لماذا يستمر قادتها في الحديث عن النصر، بينما يعترفون بأنهم لا يملكون رؤية؟ ولماذا يهربون من السؤال الوجودي، ويتشبثون بشعارات لا تصلح إلا للحملات الانتخابية؟
تقرير "يديعوت أحرونوت" يكشف أن قادة "إسرائيل"، بينما هم في خضم حملة انتخابية، يواجهون أسئلة وجودية لا يملكون لها إجابة...
رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت يقول: "نحن نعيش في حالة عدم تكافؤ دائم، بين أكثر من 20 دولة لا تعترف بنا". هذا اعتراف بأن الكيان الإسرائيلي، بعد كل هذه العقود، لم يصبح جزءاً من المنطقة، بل بقي دخيلاً عليها.
قادة الصهيونية يتحدثون عن مفهوم "النصر الساحق"، لكنهم يعترفون بأنهم لم يحققوه. ويتحدثون عن السلام، لكنهم يهربون من تقديم رؤية استراتيجية حقيقية.
ونتنياهو، الذي قاد هذه الحرب، لا يهتم إلا بكتلته الحزبية، كما يقول ليبرمان، متناسياً أن مستقبل الكيان بأكمله على المحك.
أين تظهر التناقضات؟
التناقض الأول: بينيت يدعو إلى "تغيير النظرة" من "فيلا في وسط الغابة" إلى "غوريلا في الغابة". لكن هذا التغيير لا يعالج المشكلة الأساسية: أن "إسرائيل" لا تزال تنظر إلى المنطقة كغابة تحتاج إلى السيطرة عليها، لا كجيران بحاجة إلى التعايش معهم.
بن غفير وسموتريتش يرفضان أي حل سياسي، معترفان أنها غير واقعية، لكنهما يروّجان لها كحل نهائي، وكأن الكراهية يمكن أن تكون بديلاً عن الرؤية السياسية."
لكن الأكثر فضحاً لمأزقهم، هو اعتراف قادة الكيان بأنهم منبوذون
هم يعرفون أن العالم ينظر إليهم بازدراء، لكنهم يختارون الاستمرار في نفس السياسات التي جعلتهم منبوذين أكثر. رئيس الحزب الديمقراطي يائير غولان يقول: "إذا ضممنا ملايين الفلسطينيين، سنفقد هويتنا اليهودية". لكنه لا يطرح بديلاً حقيقياً، بل مجرد "انفصال" بدون حل.
وهذا هو التناقض الأعمق: الكيان يعرف أنه منبوذ ، ويعرف أن السلام الحقيقي ممكن فقط من خلال التسوية السياسية، لكنه يواصل التمسك بالحلول العسكرية، وكأن القوة وحدها يمكن أن تعوض عن غياب الرؤية.
التحليل العكسي يقول: قادة الكيان الغاصب لا يبحثون عن حل، بل عن مخرج من المساءلة الانتخابية
هم يعرفون أن الحرب لم تحقق أهدافها، لكنهم يهربون من الاعتراف بذلك، ويلجأون إلى الشعارات القديمة التي لا تنفع إلا في الحملات الدعائية
هم يعرفون أنهم منبوذون، لكنهم يفضلون البقاء في دائرة العزلة بدلاً من مواجهة الحقيقة.
والأكثر افتضاحاً: مواصلتهم لتشجيع الهجرة، وتعزيز الاستيطان، وتجاهل حقوق الفلسطينيين، وكأن التاريخ لن يسألهم يوماً عن جرائمهم.
إذاً، السؤال الحقيقي ليس: هل "إسرائيل" ستبقى منبوذة؟
بل: كم من الحروب ستخوض، وكم من الفلسطينيين ستقتل، قبل أن تعترف بأن وهم السلام الذي تحدثت عنه لم يكن سوى كذبة كبيرة، وأن المنطقة لن تهدأ إلا بإزالتها واستعادة فلسطين المحتلة التي اغتصبوها؟
وفي النهاية، لا سلام مع كيان قام على النهب والترحيل، ولا حل مع مشروعٍ عنصري يرفض الاعتراف بحقوق الآخرين. الحل الوحيد هو زوال الصهيونية، وعودة كل الشعب الفلسطيني إلى أرضه، من البحر إلى النهر، واستعادة فلسطين كما كانت، أرضاً لكل من عاش عليها، دون تمييز أو احتلال.
/إنتهى/