فقد مرّ عام على الاتفاق الذي وُقّع على الورق، لكن ما خلّفه لأهالي القطاع المظلومين والمعذّبين لم يكن سوى عدّ الشهداء واحداً تلو الآخر.
.
فخلال العام المنصرم لم تتوقف غارات المقاتلات الصهيونية على أهالي غزة، بل إتسعت دائرة الدمار يوماً بعد يوم. والسبب أبسط وأفظع مما قد يُتصوَّر: الانتخابات الإسرائيلية، والكرسي الذي يتشبّث به نتنياهو، مجرم حرب الإبادة في غزة، بأي ثمن، حتى لو كان ذلك الثمن جثث الأطفال الفلسطينيين.

عندما وُقّع الاتفاق قبل عام، ظنّ رجال غزة ونساؤها أن أنفاسهم سترتاح أخيراً من رائحة البارود، غير أن الاتفاق انهار منذ اللحظة الأولى.
هنا في غزة، لم تتوقف آلة القتل التابعة لجيش الكيان الصهيوني ولو للحظة واحدة، وتحوّل «وقف إطلاق النار» المزعوم إلى هجمات مفاجئة واستهداف يومي للمدنيين، ليصبح دم أهالي القطاع الحبر الذي يُكتب به أصوات المستوطنين في صناديق اقتراع الكنيست السادسة والعشرين المقرّرة في 27 أكتوبر.


يروي «أبو خالد»، أحد سكان غزة، آخر جريمة ارتكبها الصهاينة أمام عينيه غير عابئين بالاتفاق، قائلاً: «سمعنا فجأة صوت انفجار هائل، فأسرعنا نحو المكان لنجد سيارة قد أصيبت. كان هناك نحو ستة شهداء تمزّقت أجسادهم إرباً، والوضع كان أبشع من ذلك؛ يد في شقة، وقدم في شقة أخرى، ويد أخرى في مكان ثالث، وجزء من رأس في شقة رابعة. أما في محيط الانفجار فقد أُصيب سبعة إلى ثمانية أشخاص، معظمهم من النساء والأطفال».


خلف هذا الموت اليومي يقف نتنياهو، مهندس عمليات القتل الجماعي الصهيوني؛ الرجل الذي دفعه فساده واهتزاز موقعه السياسي وظلّ الانتخابات المقبلة إلى القلق الشديد على بقائه في السلطة. ولدرء خطر سقوطه السياسي، اختار أن يغرق الفلسطينيين أكثر في دمائهم، وأن يشعل جبهات الحرب من جديد، سعياً لإرضاء اليمين المتطرف حليفه في الحكومة الائتلافية، محتجزاً أهالي غزة رهائن في حملته الانتخابية الدامية.

ويوضح المحلل الفلسطيني المقيم في غزة «عيسى سعد الله» دوافع تصعيد التوتر والهجمات الإسرائيلية على القطاع قائلاً: «ربما لا ينفصل التصعيد العسكري الحالي في غزة عن الانتخابات الإسرائيلية، خاصة في ظل تراجع فرص فوز نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف أو تحقيق نتيجة حاسمة تتيح له تشكيل الحكومة المقبلة. نشهد الآن موجة جديدة من التصعيد العسكري الإسرائيلي تزامناً مع اتساع نطاق الاغتيالات في القطاع».

أما «سوسن أنس»، إحدى سكان غزة، فتصف أيام القلق التي تعيشها النساء والأمهات في ظل تصاعد الهجمات الإسرائيلية قبيل الانتخابات في الأراضي المحتلة، قائلة: «عندما يهمّ أحدهم بالخروج من المنزل، يشعر أنه يجب أن يظلّ في حالة توجّس دائم، فالخوف قائم في كل لحظة من أن يكون هدفاً للقصف في أي وقت».

إنها معادلة دموية للحفاظ على السلطة السياسية. مضى عام كامل من الخداع والمراوغة، وأهالي غزة يحترقون وحدهم في النار.
/إنتهي/