أمل شبيب
ليست المسألة اليوم ما إذا كانت واشنطن و"تل أبيب" تمتلكان القدرة على شنّ هجوم جديد على إيران، بل ما إذا كانتا قادرتين على ضمان النتائج التي تريدانها من حرب قد تتجاوز حدودها الأولى وتفتح مسارات يصعب التحكم بها. فبين التهديد العسكري والقرار بالتنفيذ، تقف حسابات تتصل بما بعد الضربة، وبقدرة الطرف المستهدف على الرد، وبمدى استعداد أصحاب قرار الحرب لتحمّل تداعياتها.
تتكرر التهديدات، وتُطرح سيناريوهات الضربات، وتعود احتمالات التصعيد إلى الواجهة، لكن قرار الحرب لا يُقاس بحدة التصريحات وحدها. ففي 30 تشرين الأول، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اعتقاده بأن الحرب مع إيران ستنتهي قريباً، فيما تتداول تقارير احتمال استئناف الضربات بعد الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في الثالث من تشرين الثاني. وبين الحديث عن نهاية قريبة واحتمالات العودة إلى المواجهة، تظهر طبيعة الحسابات المعقدة التي تحيط بالقرار الأميركي.
لكن المسألة لا تتوقف عند التردد في تحديد موعد الضربة. فالسؤال الأعمق هو: ما الذي يمكن أن تحققه الحرب إذا لم يكن ممكناً ضمان مسارها أو التحكم بنتائجها؟ وهل تستطيع واشنطن و"تل أبيب" الانتقال من التهديد إلى التنفيذ، ثم فرض خاتمة سياسية وعسكرية تتوافق مع أهدافهما، في مواجهة إيران التي تعلن استعدادها للرد وتوسيع نطاق المواجهة؟
إيران لا تنتظر تحديد قواعد المواجهة
في الرسالة التي وجّهها قائد الثورة الإسلامية، السيد مجتبى خامنئي، إلى كبار القادة العسكريين، برزت معادلة واضحة: الاستعداد لمواجهة أي تهديد برد فوري ومؤثر، ومن دون قيود جغرافية. كما أكد أن القوات المسلحة والشعب الإيراني هما من سيحددان زمان انتهاء المواجهة وظروفه إذا استأنف الخصم هجماته العسكرية أو الإرهابية.
لا تكمن أهمية هذا الموقف في لهجته الحازمة فحسب، بل في المعادلة التي يعلنها. فإيران لا تقدّم نفسها بوصفها طرفاً ينتظر الضربة كي يحدد خياراته، ولا تتعامل مع التهديدات باعتبارها أمراً يفرض عليها التراجع أو القبول بشروط الخصم. إنها تعلن استعدادها للمواجهة، وتؤكد أن قرار الاعتداء لن يمنح صاحبه حق التحكم المنفرد بمسار الحرب أو نهايتها.
وهنا تتغير زاوية النظر إلى التهديدات الأميركية والصهيونية. فالمسألة لا تعود مرتبطة بقدرة واشنطن أو "تل أبيب" على تنفيذ هجوم، بل بقدرتهما على تحقيق أهدافهما بعد تنفيذه. فالتفوق في بعض القدرات العسكرية لا يعني تلقائياً امتلاك القدرة على فرض الإرادة السياسية، ولا يضمن أن يبقى الطرف المستهدف محصوراً في ردّ يمكن التنبؤ بحدوده أو توقيته.
بنك الأهداف ومعادلة الردع
تكتسب التوجيهات المتعلقة بتحديث بنك الأهداف أهمية خاصة في هذا السياق، إذ نصّت على أن يشمل مختلف الأصول المادية وغير المادية للخصم الأميركي الصهيوني. وهذه الإشارة تضع حسابات الردع في إطار أوسع، وتجعل أي تقدير لهجوم محتمل مرتبطاً بما قد يترتب عليه من ردود تتجاوز حدود الضربة الأولى.
ولا تقتصر التوجيهات على بنك الأهداف، بل تشمل تطوير منظومة الاستخبارات العسكرية، وتعزيز القدرات الدفاعية المحلية في مجالي العقيدة والتكتيك، والاستفادة من التقنيات الحديثة، ورفع الجاهزية القتالية، إلى جانب تقوية البنية المعنوية والروح الجهادية للقوات المسلحة.
وتعكس هذه التوجهات تصوراً للاستعداد لا يقوم على انتظار الاعتداء ثم التعامل مع نتائجه، بل على بناء جاهزية متكاملة لمختلف احتمالات المواجهة. فالردع لا يقوم على التصريحات وحدها، بل على اقتران الإرادة السياسية بالاستعداد العسكري والقدرة على الاستجابة.
ومن هنا، فإن إعلان إيران عن تحديث بنك الأهداف وتوسيع خيارات الرد يضع كلفة أي مغامرة عسكرية في صلب حسابات الخصم قبل اتخاذ القرار. فامتلاك القدرة على توجيه الضربة الأولى لا يعني امتلاك القدرة على احتواء تداعياتها، أو ضمان أن تنتهي المواجهة وفق الشروط التي يضعها الطرف المبادر.
وحدة الساحات… حين تتجاوز المواجهة حدودها
لم تغفل توجيهات قائد الثورة البعد الإقليمي، إذ أشادت بثبات جبهات المقاومة في بلدان مختلفة، وربطت وحدة الساحات بتأثيرها الاستراتيجي في تشكيل النظام السياسي والأمني الجديد في غرب آسيا.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية في قراءة الجغرافيا التي تتحرك ضمنها حسابات الحرب. فالمنطقة ليست مساحات منفصلة يمكن عزل تطوراتها العسكرية والسياسية بعضها عن بعض، وأي تصعيد واسع قد تتداخل فيه حسابات القوى الإقليمية، ومواقع القواعد العسكرية، والممرات البحرية، ومصالح الدول المختلفة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية موقع إيران على الخليج الفارسي، وإشرافها على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، مضيق هرمز، إلى جانب امتداد الجغرافيا الاستراتيجية نحو بحر عُمان. فالمواجهة لا تتصل فقط بما يحدث داخل الأراضي الإيرانية أو في فلسطين المحتلة، بل بما يمكن أن تتركه من تداعيات على البيئة الأمنية والاقتصادية الإقليمية والدولية.
ولا تعني وحدة الساحات أن جميع الجبهات ستتحرك بالطريقة نفسها أو في التوقيت نفسه، لكنها تجعل افتراض حصر المواجهة في ساحة واحدة أمراً لا يمكن التسليم به مسبقاً. وهذا أحد العناصر التي ينبغي أن تدخل في حسابات أي قرار عسكري، خصوصاً عندما تكون تداعيات التصعيد قابلة للامتداد خارج الحدود المباشرة للدولة المستهدفة.
لماذا تتردد واشنطن؟ ومن يملك قرار النهاية؟
تواجه الإدارة الأميركية حسابات متشابكة، تبدأ من الأهداف العسكرية التي تريد تحقيقها، ولا تنتهي عند الكلفة الاقتصادية والسياسية وتداعيات التصعيد على المنطقة وأسواق الطاقة. وبين هذه الحسابات يبرز سؤال أساسي: ما البديل السياسي الذي يمكن فرضه إذا لم تؤدِّ الضربات إلى النتيجة المطلوبة؟
وتضيف الحسابات الانتخابية الأميركية طبقة أخرى من التعقيد، في وقت تتقاطع فيه المواقف الأميركية مع حسابات حكومة بنيامين نتنياهو ومصالحها السياسية والأمنية. وقد يتفق الطرفان على أهداف عامة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تطابق تقديراتهما بشأن توقيت الحرب وحدودها، أو بشأن النتائج التي يمكن القبول بها في نهايتها.
لذلك، لا يكفي تفسير تأجيل الضربة أو إعادة طرحها بوصفه دليلاً قاطعاً على العجز، كما لا يصح اعتبار التهديد المتكرر دليلاً على أن قرار التنفيذ قد حُسم. ما تكشفه هذه الحركة هو أن الحرب تخضع لحسابات تتجاوز القدرة على شنها، وأن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ لا يلغي الأسئلة المتعلقة بما بعده.
في المقابل، يضع الموقف الإيراني المعلن هذه الحسابات أمام معادلة مختلفة: أي اعتداء سيواجه برد فوري ومؤثر، ولن يكون الطرف الذي يبدأ المواجهة بالضرورة هو الطرف الذي يحدد نطاقها أو يقرر متى تنتهي. وبذلك، تصبح قدرة إيران على الرد والاستعداد لمختلف احتمالات التصعيد جزءاً أساسياً من حسابات واشنطن و"تل أبيب".
معركة الإرادة قبل معركة الصواريخ
إن قراءة موقع إيران في هذه المواجهة لا ينبغي أن تنطلق من حجم التهديدات الموجهة إليها، بل من عناصر القوة التي تعلن امتلاكها والاستعداد لتوظيفها في الدفاع عن أمنها ومصالحها. فالقوة الاستراتيجية لا تُقاس فقط بالقدرة على تنفيذ الهجوم، وإنما أيضاً بامتلاك القرار، والجاهزية، وتعدد خيارات الرد، والقدرة على جعل الخصم يعيد حساباته قبل الإقدام على المغامرة.
ومن هنا، لا تقف إيران في موقع انتظار ما ستقرره واشنطن أو "تل أبيب"، بل تعلن موقفاً واضحاً من طبيعة أي مواجهة محتملة، وتؤكد أن الرد لن يكون محكوماً تلقائياً بالجغرافيا أو التوقيت اللذين يختارهما المعتدي. وهذه المعادلة تضع التهديدات المتكررة أمام اختبار يتجاوز الاستعراض العسكري إلى سؤال النتائج والقدرة على تحملها.
فواشنطن و"تل أبيب" قد تمتلكان خيارات عسكرية متعددة، لكن امتلاك الخيارات لا يعني أن استخدامها سيقود بالضرورة إلى النتيجة السياسية المنشودة. وبين القدرة على بدء الحرب والقدرة على حسمها مسافة تحددها إرادة الطرف المقابل، واستعداده، وما يملكه من أوراق قوة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: ليس من الصعب دائماً إشعال الحرب، لكن الأصعب هو ضمان نهايتها. وإيران، من خلال موقفها المعلن وتوجيهات قيادتها العسكرية، تؤكد أنها لن تترك للخصم وحده رسم حدود المواجهة أو كتابة خاتمتها.
/إنتهى/