في ساعاتِ النهار من شهرِ رمضان، لا تبدو نابلس هادئة كما قد يتخيّلها البعض، بل نابضة بالحياة، مكتظّة بالحركة، خاصة في سوق البلدة القديمة. هنا، للصيام طعمٌ مختلف، وللنهار روحٌ لا تخفت رغم حرارة الشمس وطول الساعات.
.
الأزقة الحجرية تضيق بالمارة، والمحالّ مفتوحة على اتساعها، والتجّار ينادون على بضائعهم التي تتصدرها التمور بأنواعها، وتجاورها المكسرات المرتّبة بعناية، وألوان العصائر المجففة التي تلمع تحت الضوء. رائحة الكنافة النابلسية تختلط بعبق البهارات، فيما تتكدس صواني القطايف استعدادًا للمساء. مشهدٌ يختصر معنى شهر الخير والبركة كما يعيشه أهل المدينة.
في حديثه عن الأجواء الرمضانية، يقول حرزالله، أحد تجار السوق، إن نابلس تتميّز بروحها الخاصة في هذا الشهر، حيث تمتزج العبادة بالحياة اليومية دون أن تتوقف الحركة أو يخفت النشاط. ويشير إلى أن الإقبال يزداد في هذه الأيام، خاصة مع استعداد الناس لموائد الإفطار.

من جهته، يؤكد مروان أبو غزالة، صاحب محل حلويات، أن الطلب على الحلويات الرمضانية والعصائر الشعبية كالسوس والخروب يتضاعف خلال الشهر الفضيل، مشيرًا إلى أن السوق يشهد حركة مستمرة تمتد من ساعات الصباح حتى ما قبل أذان المغرب.


أما أبو حمدي القدومي، فيتحدث عن جانب آخر من رمضان في نابلس، وهو التكافل الاجتماعي، مؤكدًا أن “في هذه المدينة لا يجوع أحد”، فالأهالي متكاتفون، والعائلات تتبادل الأطباق والزيارات، وروح العطاء حاضرة كما كانت منذ مئات السنين.

وسط هذا الازدحام، تقف الطفلة رشا إلى جانب والدها تبيع عصير الجزر الطازج. تقول إنها تساعد بعد عودتها من المدرسة، وتحرص على أن تكون جزءًا من أجواء السوق. بابتسامة بريئة، توجّه رسالة للناس: «رمضان مبارك علينا وعليكم يا رب».


مشهد الأسواق هنا قد يذكّر بأسواق القدس القديمة، إلا أن لنابلس طابعها الخاص؛ دفء في العلاقات، وقرب بين الناس، ومدينة تعرف بعضها جيدًا. رمضان في نابلس ليس عبادة فردية فحسب، بل حالة جماعية تُعاش في الشارع كما في البيوت، في السوق كما في المساجد، نهارٌ عامر بالحركة، وليالٍ تتزين بصلاة التراويح في جامع النصر حيث تكتمل الصورة الإيمانية للمدينة.